عرض وقفة تذكر واعتبار

  • ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾    [الحجرات   آية:١٠]
هجر المسلم......بين الإفراط والتفريط ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال خشية أن يحمل على غير محمله ويذهب به إلى غير قصده ولولا كثرة ما أسمع من كلام الوعاظ في الحديث عن الترهيب من القطيعة واستشهادهم بنصوص فيها إجمال يحتاج إلى البيان والتفصيل لما نشطت للكتابة فيه. فأقول وبالله التوفيق والإعانة ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى. أولا إخوة المؤمنين وتآلفهم وتوادهم من المعلوم من الدين بالضرورة والنصوص أكثر من أن تحصر في بيان هذا الأصل. ثانيا وقوع الخصام والتهاجر أمر حتمي لا بد من وقوعه بين المسلمين وقد عالجت الشريعة هذا الخصومات لدفعها قبل وقوعها ورفعها بعده والتخفيف من آثارها وإصلاح ما أفسدته الخصومات من المودة بين المسلمين. ثالثا لفهم أحكام الشريعة في باب من الأبواب لا بد من جمع النصوص الثابتة  فيه ومن ثم فهمها فهما صحيحا على طريقة السلف وأصول النظر الصحيح وكلام الأئمة المعتبرين. رابعا: جاءت النصوص بالتحذير من قطيعة الرحم ومن هجر المسلم وجاء الوعيد  من الوقوع فيها كما جاءت النصوص بالإذن بالهجر لثلاثة أيام وبهجر أهل المعاصي وبهجر أهل الشر اتقاء  شرورهم وبارتفاع الإثم عن أحد المتخاصمين بالسلام ولو مرة.....إلى غير ذلك. خامسا الخطاب الوعظي العام في بعض صوره يحذر من القطيعة دون تفصيل ويسوى بين الظالم والمظلوم وبين البر والفاجر وبين القطيعة بلا سبب وبسبب ويكلف المسلم ما لم يدل عليه النص من لزوم التنازل عن حقه وماله إذا اقتضى الأمر ومما اشتهر عندهم (هجره من أجل تراب من الأرض أو من أجل كلمة أو نحو ذلك) وهذا الكلام المجمل يحتاج كله إلى تفصيل ياتي فيما يلي من النقاط سادسا هجر أهل المعصية لاحد له قال الشيخ ابن باز رحمه الله إذا كان هجرًا لله من أجل بدعة أو معاصي ظاهرة، فهذا ليس له حد، فله أن يهجره حتى يتوب، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه لما تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر هجرهم خمسين ليلة عليه الصلاة والسلام، حتى تاب الله عليهم. سابعا الهجر  والقطيعة من غير سبب بل يمتنع من السلام والصلة من غير مبرر ديني أو دنيوي إلا مجرد الهوى أو الحسد أو الكبر فهذا الداخل في النصوص قطعا ثامنا من هجر من سبه أو شتمه فغضب منه جاز له هجره ثلاثة أيام ثم وجب عليه العودة للصلة إذا لم يترتب على عودته عودة مخاصمه للسب والشتم بل يكون قد انتهى وأمن المسلم من أذيته تاسعا يجوز للمسلم هجر من تؤدي صلته إلى أن يؤذيه بلسانه أو بيده في جسده أو عرضه أو ماله أو ولده أو يفسد عليه أهله أو قرابته ونحو ذلك من الأذى قال ابن عبد البر رحمه الله : " وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه ، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه ، فإن كان ذلك فقد رخص له في مجانبته وبعده ، ورب صرم [أي : مقاطعة وهجر] جميل خير من مخالطة مؤذية . قال الشاعر: إذا ما تقضي الود إلا تكاشرا ... فهجر جميل للفريقين صالح " انتهى . "التمهيد" (6/127) . وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : أهل زوجتي يكدرون علي وعلى زوجتي فما حكم هجرهم وترك زيارتهم ؟ فأجاب : " لك أن لا تزورهم ، إذا كان في زيارتهم مفسدة عليك ، أو إفسادٌ لزوجتك ؛ فلك أن تمتنع من زيارتهم ، ولك أن تمنع زوجتك من زيارتهم أيضاً " انتهى . "فتاوى نور على الدرب" (12/ 474-475) . عاشرا ينقطع الهجر بالسلام وليس بتنازل المؤمن عن حقه فإذا قال مخاصمه أو قريبه لا أصلك إلا أن تعطيني كذا من مالك أو أرضك ولو كان قليلا لم يلزمه شرعا هذا التنازل  وكان إثم الهجر بعد ذلك على صاحبه فإذا طابت نفسه ببذل شيء من الدنيا فهو مأجور وإن شحت لم يكن آثما بالامتناع عن ما ليس بواجب من نفقة أو حق شرعي ثابت. في صحيح مسلم [عن أبي هريرة:] جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟ قالَ: فلا تُعْطِهِ مالَكَ قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ قالَ: قاتِلْهُ..... ثم يأتي بعض الوعاظ فيصب نصوص الوعيد على هذا الرجل فيقول من أجل متر من الأرض تخاصم أخاك...فتكون قاطعا ولا تدخل الجنة ولا يرتفع لك عمل ونحو ذلك.... وكل هذا مخالف لنصوص الشريعة وافتراء عليها. الحادي عشر القول بأن القطيعة والهجر تحبط العمل وتمنع قبول الأعمال قول باطل لا يصح (قال الشيخ ابن باز رحمه الله؛ فإن الخصام والمنازعات التي بينك وبين الناس لا تحبط أعمالك، والحمد لله، أعمالك على حالها، أعمالك الطيبة إذا قبلها الله، فالخصام مع الناس والدعاوى لا تبطلها، ولكن نوصيك بالحذر من المخاصمة بغير حق، والنزاع بغير حق، أما إذا ظلمت وتعدي عليك؛ فلك أن تخاصم، وتطلب الحق عند المحكمة، بشرط أن تتحرى الحق، ولا تقل إلا خيرًا.) انتهى كلامه رحمه الله. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا. وفي رواية لمسلم: تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا . ويدل الحديث على أن المتهاجرين يحرمان من المغفرة التي ينالها كل مؤمن يوم الإثنين ويوم الخميس، وتؤجل المغفرة لهما حتى يصطلحا أو ينتهي هجر من هجر منهما؛ وليس فيه عدم رفع الأعمال بل ظاهر رواية: تعرض الأعمال.. أنها ترفع.  قال في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: قوله:( تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس ) أي لكثرة الرحمة النازلة فيهما الباعثة على الغفران (فيغفر فيهما لمن لا يشرك بالله شيئا إلا المهتجرين ) أي المتقاطعين ( يقول ردوا ) وفي رواية مسلم انظروا أي أمهلوا أي لا تعطوا منها أنصباء هذين المتهاجرين المتعاديين وأخروا مغفرتهما من ذنوبهما مطلقا زجرا لهما أو من ذنب الهجران فقط ( حتى يصطلحا ) أي يتصالحا ويزول عنهما الشحناء فلا يفيد التصالح للسمعة والرياء . وتبقى له أسباب المعغرة الأخرى الكثيرة فلا يمنع منها كالمغفرة بالصلاة والصيام والحج والصدقة والذكر..  ولم يقل أحد من أهل العلم أن من شروط صحة أي عبادة عدم وجود شحناء لمن فعلها. الثاني عشر معنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» أهل التوحيد من أهل الإسلام يدخلون الجنة بلا ريب ولا شك، وعلى هذا دلت الأدلة في الكتاب والسنة وأجمع عليه علماء الأمة، لكن من جاء في حقه وعيدٌ بعدم دخول الجنة يُحمل ذلك على أنه وجد فيه مانع يمنعه من دخول الجنة، فلا بد من زوال هذا المانع إما بعفو الله ومغفرته وإما بما يقدره الله ـ تعالى ـ له من شفاعة الشافعين، وإما بما يكون من حسناتٍ ماحية تزيل سيء العمل ويدخل به الجنة حديث صاحب البطاقة الذي يأتي ببطاقة ويأتي بسجلات من السيئات وسيء العمل، فترجح بطاقته على تلك السيئات، وإما أن يكون ذلك بعد التمحيص والمؤاخذة. وبه يُعلم أن هذا النفي لدخول الجنة الوارد في الحديث، وفي أمثاله لا يتنزل على الأعيان في حق من قامت بهم تلك الأعمال، إنما يقال إن من قام به العمل يُخشى عليه ويُخاف عليه أن يكون ممن تشمله هذه العقوبة، فإذا وجد قاطعٌ أو وجد آكل ربا أو وجد من توعد بالعقوبة بالنار أو بعدم دخول الجنة فإنه لا يُحكم للمعين بذلك؛ لأن هذا لا يُعلم ما ينتهي إليه الأمر فقد يتوب فيتوب الله عليه، وقد يكون له من الأعمال الماحية ما يزيل ذنبه ويعفى عنه بسببه وينغمر سيء عمله بما عنده من صالح وإما أن يعفو الله عنه وإما أن تدركه شفاعة من يأذن الله تعالى له بالشفاعة. المهم أن الأسباب الماحية للسيئات قد تكون فيه فيكون هناك مانعٌ من أن يتنزل عليه هذا العقاب وهذه المؤاخذة، والتنبيه إلى هذا للإجابة عن إشكال ضلَّ فيه طائفتان وهو هذا النفي هل يُعمل به بالمطلق في كل من قام به الوصف أو أنه يُلغى فلا يعتبر، كلا الطريقين طريق مذموم، والطريق القويم المستقيم هو فهم النصوص بمجموعها، ويقال إن هذا الوعيد في حق من قام به هذا الفعل لكن تحققه في الأعيان لا بد فيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع، (د.خالد المصلح) الثالث عشر. هذا الإجمال في الوعظ أدى إلى فهم مغلوط ومفاسد كثيرة منها تمادي الأشرار في ظلم الأخيار فهم يعلمون خوف الصالحين من الهجر والقطيعة فيواصلون أذيتهم وظلمهم وهم لا يبالون فكلما بعثوا إليه من يريد الإصلاح تمادى في الكبر والتعالى. ومن المفاسد تثبيط المتهاجرين عن الطاعة بسبب ما يسمعونه من حبوط الأعمال وعدم قبولها ومنها وقوع شيء في قلوبهم مما يقال إنها أحكام الشريعة ومنها نشر فهم أهل الغلو لنصوص الوعيد الرابع عشر أن الهجر ينقطع بالسلام والكلام ولا يلزم التنازل عن الخصومات أو الحقوق أو ترك المطالبة بها ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال أكثر العلماء تزول الهجرة بمجرد السلام ورده. وقال أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولا، وقال أيضا: ترك الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم. انتهى. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: " واختلفوا في المتهاجرين : يسلم أحدهما على صاحبه، أيخرجه ذلك من الهجرة أم لا؟ فروى ابن وهب عن مالك أنه قال: إذا سلم عليه، فقد قطع الهجرة. وكأنه والله أعلم؛ أخذ هذا من قوله صلى الله عليه وسلم: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )، أو مِن قول من قال: يجزىء من الصرم [أي : الهجر] السلام.