عرض وقفة تذكر واعتبار

  • ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿٦٣﴾    [الكهف   آية:٦٣]
  • ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿٤٢﴾    [يوسف   آية:٤٢]
  • ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴿٢٤﴾    [الكهف   آية:٢٤]
• احذر سلاح الشيطان ليس كل ما يحارب به الشيطان الإنسان يكون بالمعصية المباشرة، بل إن من أخطر أسلحته تلك التي لا يشعر بها كثير من الناس. فهو يزيّن الباطل، ويخوّف من الحق، ويثبّط عن الطاعة، ويزرع التسويف والتأجيل… ولكن يبقى هناك سلاح خفيٌّ بالغ الخطورة، إذا نجح فيه الشيطان سَهُل عليه ما بعده، وهو سلاح النسيان. إنها ليست قضية أن ينسى الإنسان اسمًا أو موعدًا أو حاجةً من حاجات الدنيا، وإنما الخطر الحقيقي أن ينسى الغاية التي خُلق من أجلها، وأن تغيب عنه رسالته الكبرى في هذه الحياة بدرجة كبيرة أو صغيرة . فالشيطان لا يستطيع أن يمنع المؤمن من معرفة الحق دائماً، لكنه كثيرًا ما ينجح في أن يجعله ينساه ساعة الحاجة إليه. فينسى أنه عبدٌ لله تعالى، وأنه يسير إلى لقاء ربه، وأن كل يوم يقرّبه من قبره أكثر مما يقرّبه من آماله. وينسيه الاستعداد للآخرة، وشدة الحساب، ونعيم الجنة، وعذاب النار، وعظمة الحسنات، وخطورة السيئات، وسرعة انقضاء العمر، وقِصَر الأمل، حتى تمر الأيام وهو يعيش للدنيا أكثر مما يعيش للدار الباقية. بل قد يبلغ أثر هذا السلاح أن يُنسيه ذكر الله، فيغفل عن الأذكار اليومية، والصباح والمساء، وينسى التسمية عند طعامه وشرابه، ويُضعف استحضاره لثواب الصبر، وفضل الطاعة، وخطر المعصية، وربما أنساه حتى مصالح دنياه التي تقوم عليها حياته. ولهذا نَسب القرآن بعض صور النسيان إلى الشيطان، فقال تعالى على لسان صاحب موسى عليه السلام: ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾. وقال سبحانه في قصة صاحب يوسف عليه السلام: ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾. وهذا يدل على أن للشيطان مدخلًا عظيمًا من هذا الباب، وأن المؤمن ينبغي أن يكون على حذر دائم منه. وأخطر ما في هذا النسيان أن آثاره لا تظهر فجأة، وإنما تتسلل إلى القلب شيئًا فشيئًا. فَتثقل الصلاة على المسلم ابتداءً بعد أن كانت راحةً للنفس، ويضعف الإقبال على القرآن، وتفتر الهمة عن الطاعات، ثم يصبح الوقوع في بعض الذنوب أهون من ذي قبل، حتى يَضيع كثير من العمر في أمور لا تزيد العبد من الله قربًا، فيلتفت بعد سنوات فإذا برصيده من الأعمال أقل مما كان يتمنى. ولهذا فإن معركة الشيطان معنا ليست معركة معلومات، وإنما هي معركة تذكير ونسيان. فكم من إنسان يعرف فضل قيام الليل، وفضل الصدقة، وفضل بر الوالدين، وخطورة الكبر والعجب والغضب، وحرمة الحسد والغش والخداع.. الخ ولكن عندما تحين ساعة التطبيق ينسى، وكأن تلك المعارف لم تمر عليه قط..! ولهذا جاء علاج القرآن واضحًا من طريقين متكاملين، فاحرص عليهما : الأول: أن يربّي المسلم نفسه على استحضار رسالته في الحياة، وأن يظل سؤال: لماذا خُلقت؟ حاضرًا في قلبه وعقله قبل كل قرار، وقبل كل كلمة، وقبل كل عمل. فمن عاش هذه الحقيقة، صارت الدنيا كلها تُذكّره بالله، ولا تصرفه عنه. والثاني: الإكثار من ذكر الله تعالى ، فهو أعظم ما يطرد الغفلة، ويجدد حياة القلب، ويقطع طريق الشيطان، ولذلك قال سبحانه: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾. فكلما ازداد العبد ذكرًا لله، ازداد قلبه يقظة، وضعفت قدرة الشيطان على إغراقه في بحر النسيان. ومن أعجب ما يكشف خطورة هذا السلاح أنك ربما تقرأ هذه الكلمات الآن، فتشعر بصحتها تماماً، وتعزم على أن تكون أكثر يقظة… ثم بعد ساعات، أو بعد يوم أو يومين، تنشغل بأعمال الحياة، فتنسى الفكرة كلها، وكأنك لم تقرأ شيئًا منها..!! وهكذا نجح الشيطان مع كثير منا في مئات المواعظ التي نسمعها ، وآلاف الدروس التي نحضرها ، وعشرات الكتب التي نقرؤها ، حتى أصبحتْ تلك تمر على الأسماع والعيون مرورًا سريعًا، دون أن تتحول إلى حياةٍ تُعاش، أو سلوكٍ يُمارس. صحيح أن النسيان من طبيعة الإنسان كما قيل، ولا يمكن أن يبقى حاضر القلب على الدوام، ولكن المؤمن لا يستسلم لهذه الطبيعة السلبية، بل يجاهدها، ويجدد إيمانه، ويكثر من الذكر، ويكرر التذكير، ويجالس الصالحين، ويقرأ القرآن، حتى لا تستولي الغفلة على قلبه. فكلما قلَّ النسيان، ازدادت الهداية، وكلما كثرت الغفلة، عظمت الخسارة. فاحذر أن ينتصر عليك الشيطان بهذا السلاح الخفي الصامت، فإن أخطر هزائمه ليست أن يجعلك تجهل الحق، وإنما أن يجعلك تنساه.. عندما تكون أحوج ما تكون إليه..!!