عرض وقفة أسرار بلاغية
- ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٤﴾ ﴾ [المنافقون آية:٤]
● { فأنى تؤفكون } { فأنى تصرفون }
الأولى جاءت ثلاث مرات والثانية عشر مرات كلتاهما جاءت فاصلة في القرآن الكريم
ليس في القرآن الكريم كلمة تقوم مقام الأخرى إطلاقاً ، كل لفظة في القرآن لها شخصية ومكانتها
الفاصلة تكمل معنى الآية وهي تأتي تبعاً لها
{ فأنى يؤفكون }
فهي من الإفك وهو الكذب كما في لسان العرب
{ إِنَّ الذين جاءوا بالإفك } أي بالكذب والافتراء
{ ويل لكل أفاك أثيم } أي كذاب
وأصل كلمة إفك هي : أقبح الكذب وأفحشه
كما عند أهل المعاجم
هذا التفسير اللغوي غالباً لا يذكره المفسرون تحديدًا
إنما يفسرون بالمعنى
لذا جاءت الفاصلة { فأنى يؤفكون }
أي كيف تفترون وتكذبون على الله جل وعلا
بهذا الكذب الشنيع
الفاصلة كما نرى مطابقة للجو العام للسياق
فلا يتناسب أن تكون { فأنى تصرفون } أبداً
لأن السياق العام يتحدث عن افتراء وكذب
ولا يتحدث عن تحول و تغير في الجهة.
الصرف : هو تحويل الشيء لنقيضه ولحالة مغايرة ، وتحويل الجهة لجهة أخرى .
يوسف عليه السلام يقول { وإلا تصرف عني كيدهنّ } وقال تعالى { ربنا اصرف عنا عذاب جهنم }
وأيضاً { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء .. }
ما معنى اصرف في هذه الآيات ؟
لو نزّلنا هذا التعريف على الآيات لوجدناه جلياً واضحًا
إذا تأملنا قوله تعالى { فَذَٰلِكُم اللَّهُ رَبكُم الْحَق فَمَاذَا بَعْدَ الْحَق إِلَّا الضَّلَال فَأَنَّىٰ تُصْرَفُون }
وجدنا أن الآية تتكلم عن الحق والضلال
وهذان نقيضان لبعض ، فالحق نقيضه الضلال
والحق هو الله والضلال هو الشرك
ثم وبخهم الله تعالى بقوله { فأنى تصرفون }
أي كيف صرفتم عن الحق وهو الله وعن عبادته
ثم عبدتم الباطل والضلال!
كيف تحولتم هذا التحول الخطير في عقيدتكم وعبادتكم لتنتهوا إلى عبادة الشرك والأصنام
ولعلنا نقرأ سياق الآيات التي قبلها لتتضح أكثر
فهل أدركنا جمال الفاصلة { فأنى تصرفون }
في إتمامها لمعنى الآية و انسجامها .
مثال آخر قوله تعالى { يخلُقكم في بطون أُمهَاتِكم خلقًا من بَعْد خَلْقٍ فِي ظلُمَاتٍ ثَلاث ذلكُم اللَّه رَبكُم لَه المُلك لَا إِلَٰه إِلَّا هو فَأَنى تُصْرفون } قوله { خلقاً من بعد خلق }
هذه تحولات وتقلبات للجنين في بطن أمه في خلقه
ولا شك كما تفسرها آية الحج والمؤمنون
فجاءت الفاصلة { فأنى تصرفون }
لتضفي على هذا المعنى جمالاً ، وأن الخالق لهذا
هو الله جلّ شأنه فكيف صرفتم عن وحدانية الله
وترضون بها بدلاً إلى غيره!
فهل أدركنا جمال الفاصلة في القرآن الكريم
روابط ذات صلة: