عرض وقفة أسرار بلاغية
- ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾ ﴾ [المائدة آية:٤٨]
أراد الله تعالى أن يختم الرسل والرسالات، ختمها بهذا الكتاب العزيز الذي جعله الله تعالى مصدقا لما قبله من الكتب، ومهيمنا عليها، وناسخاً لكل دين غير الإسلام فصدق الكتب التي أنزلت على أنبياء الله، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها، حيث دعا إلى كل ما دعت إليه تلك الكتب من أصول الاعتقاد والأخلاق والعبادات، قال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس : ٣٧].ومهيمن عليها؛ حيث كان هو المُصحح والمُصوِّب لما حدث فيها من تحريف، فما صَدَّقَهُ القرآن مما جاء في الكتب السابقة فهو الصدق والحق، وما كذبه فهو الكذب والباطل، وإن اعتقد أصحابها خلاف ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِلُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَيْهَا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: ٣٠، ٣١]،
فبين كذب ما في كتبهم من انحرافات عقدية وعبادية وغيرها. فهذا التصديق والهيمنة فيها من دلائل فخامة هذا التنزيل ورفعته ما لا يخفى، وهو دليل على أنه أفضل الكتب المنزلة وشمل خلاصة ما جاء فيها وزيادة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الشعراء : ١٩٦ ] ؛ ولذا كان أحسن الحديث: اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر: ٢٣]، وإذا استقر ذلك في قلب العبد فر إليه لا إلى غيره ليكون به نجاته؛ ومن هنا خاطبنا الله تعالى بذلك فقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن ربِّكُم [الزمر: ٥٥] ، وهو بلا شك القرآن الكريم.
فهذا الشرف العظيم الذي خص الله تعالى به القرآن ينبغي أن يجعلنا أكثر اعتزازاً به، وتمسكا بهديه، واليقين أنه مصدر تميزنا، وسر قوة الأمة وخلودها، فيزداد بذلك المؤمن تعظيماً ومحبة له، ولا يلتفت لما يبهرج من سقط الحضارات الغربية، أو يلقيه أعداء الأمة اليوم، من شكوك وشبهات حول بعض تعاليمه التي لم يفهموا سرها وعظمتها
روابط ذات صلة: