عرض وقفة أسرار بلاغية
القرآن كتاب حكيم، تفيض الحكمة في كل آياته، وكيف لا يكون كذلك وهو منزل من حكيم حميد عليم خبير قال تعالى: الرَّ كِتَبُ أُحْكِمَتْ عَايَتُهُ ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خبير [هود: ١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] ؛ ولذا فهو كتاب محكم حكيم تتجلى معاني الحكمة في كل جوانبه من حيث مضمونه، وطريقة توجيهه، وترتيب أولوياته، وتنوع أساليبه وغيرها.
ولما جمع القرآن كل معاني الحكمة حتى أصبحت نعتاً لا تنفك عنه؛ وصفه الله تعالى في عدد من المواضع بالحكيم قال تعالى: ﴿الرَّ تِلْكَ عَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ [يونس : ١]، وقال تعالى: ﴿الَمَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ [١-٣] ، وقال تعالى: ﴿يسَ وَالْقُرْءَانِ الحكيم [يس: ۱ ، ۲] ، ومن كمال حكمته لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه من عَلِم عِلْمَه سبق، ومن قال به صدق، ومن حکم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ما اتخذه عبد دليلاً إلا نال به صفات الكمال البشري، وتحققت له السعادة السرمدية؛ لأنَّ به يصاب الحق في الاعتقاد والقول والعمل، ويقوم السلوك، وتسمو الأرواح والنفوس، فهو الكتاب الذي يصنع الحكماء ويؤتي الحكمة؛
ولذا قال ابن عباس رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ) [البقرة : ٢٦٩]: «الحكمة فهم القرآن الكريم» رواه الطبري في تفسيره، فهو ينبوع الحكمة والرشد، المسدد في القول والعمل الناهي عن الفساد والهوى، فمن جعل القرآن
منطلقه كانت الحكمة دثاره، وهو حكيم الأرض حقاً.
ومن أدرك كمال حكم القرآن الكريم؛ ما اشتغل بسواه من كتب لبعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين، وغيرهم الذين يسمون بالحكماء، ولَعَلِمَ تفاهة تلك الآراء؛ لأنه سيدرك أنه ما من خير إلا وقد بينه الله تعالى، ودعا إليه ورغب فيه، وذكر من جوانب الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر وفساد إلا وقد بينه ونهى عنه وحذر منه ، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة، فمن وفق إليه فقد وفق لطريق الحكمة التي وعد الله من سلكها بخير كثير وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ)[البقرة : ٢٦٩].
روابط ذات صلة: