عرض وقفة أسرار بلاغية
من أعظم خصائص هذا الكتاب المجيد؛ عموم رسالته وشمولها للإنس والجن على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، وتنوع بلدانهم، وقرونهم، لا كما يريد أن يصوره بعض أعداء الملة فيجعلونه للعرب خاصة، فهو نزل بلسان عربي مبين، وكان هداه للعالمين إلى يوم الدين، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، ومن هنا كان خطابه موجها للإنسانية كلها، قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة : ۲۱]، وقال تعالى: ﴿هُدَى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتِ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: ١٨٥].
هو كتاب يحكي تاريخ الإنسانية من خلق آدم عليه السلام، وهبوطه للأرض إلى آخر رسول أرسل للناس ويبين للإنسانية أصلها الواحد الذي ترجع إليه، ويهدم فوارق الشعوبية والقبلية وغيرها ليؤسسها على قواعد متينة، ويهديها طريقاً مستقيماً في الحياة، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات : ١٣].
وهو كتاب واحد خاطب الله تعالى به الثقلين الجن والإنس على امتداد الزمان والمكان، فالله هو رب العالمين والقرآن تنزيل رب العالمين الذي هو وحده يعلم ما يصلح العالمين، لا يتقيد هدیه بزمان ولا مكان، ولا جنس ولا لون، يهدي الأنام إلى أصح العقائد وأفضل القيم والأخلاق وأهدى الأحكام التي بها تستقيم حياتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس : ٣٧] ، وقال تعالى : تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿أُولَبِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَهُدَتْهُمُ اقْتَدِةٌ قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) [الأنعام: ٩٠] ، فمن فهم هذا المعنى عَرَفَ عظمة هذا الكتاب ودين الإسلام، وعمل لخدمة رسالة جعلها الله تعالى للعالمين،
حتى تنعم برحمته ونوره و هداه.
روابط ذات صلة: