.* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (25)) تأمل هذا القصر (إنما) فقد قصر الله تعالى إتخاذ القوم للأوثان من أجل مودة بعضهم بعضاً، فما وجه هذا الحصر والقصر؟ إن قصر إتخاذ الأوثان من أجل المودة وحسب بين قوم إبراهيم هو لإظهار سخف عقولهم وسفاهة أحلامهم حيث لم تبق لهم شهية في عبادة الأوثان بعد مشاهدة دلالة صدق الرسول الذي جاء بإبطالها. فتمحض أن يكون سبب بقائهم على عبادة الأوثان هو مودة بعضهم بعضاً وهذا ضرب من السخف والمكابرة على قبول الحق.
*ما اللمسة البيانية في كلمة (لكن ليطمئن قلبي) على لسان إبراهيم في آية 260 من سورة البقرة؟و قصة عزير؟
الكلام على لسان إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) البقرة) ينبغي أن نتذكر أولاً أن إبراهيم في هذا الطلب كان يخاطب الله سبحانه وتعالى وكان الله تعالى يخاطبه وليس وراء مخاطبة الله عز وجل إيمان. يعني لما يكلّم الله عز وجل ويسمعه ويسمع كلام الله تعالى هل يحتاج إلى إيمان فوق هذا؟ هل يحتاج إلى دليل؟ هو يناجي ربه وربه يخاطبه إذن المسألة ليست مسألة إيمان أو ضعف إيمان أو محاولة تثبيت إيمان لأن مخاطبة الله عز وجل هي أعلى ما يمكن أن يكون من أسباب الإيمان. وهو أي إبراهيم الأوّاه الحليم، كليم الله عز وجل . فالقضية ليست قضية إيمان بمعنى أنه كان يمكن في غير القرآن أن يقال (أرني كيف تحيي الموتى ليطمئن قلبي) لماذا دخلت (أولم تؤمن قال بلى)؟ الله سبحانه وتعالى يعلم أنه مؤمن لأنه يكلّمه فكيف لا يؤمن. والتساؤل هو لتقرير أمر كما قال الله عز وجل في سورة المنافقون (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)) كان يمكن في غير القرآن أن يقول (قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد أن المنافقون لكاذبون) وإنما وضع بين هذه وهذه (والله يعلم إنك لرسوله) لدفع ما قد يتوهمه إنسان أن تكذيب الله عز وجل لهم في الرسالة فجاءت في مكانها وهي جملة إيضاح وتثبيت معنى.
هنا قال (أولم تؤمن قال بلى) هذا للسامعين لأن السامع لما يسمع إبراهيم يقول: أرني كيف تحيي الموتى سيسأل : ألم يكن إبراهيم كامل الإيمان؟ فحكى لنا قال (أولم تؤمن قال بلى) إذن أثبت الإيمان لإبراهيم حتى لا يخطر في قلوبنا أن إبراهيم طلب هذا الأمر ليثبت إيمانه وهو مؤمن. إذن ما موضع الإطمئنان هنا؟ علماؤنا يقولون أن إبراهيم كليم الله عز وجل الأوّاه الحليم كان في قلبه شيء يريد أن يراه، أن يلمسه، أن يرى سر الصنعة الإلهية، أن يرى هذه الصناعة كيف تكون؟. القلب نقول أنه غير مطمئن إذا كان يشغله شيء. (أرني) تعني أريد أن أرى رؤية العين لأن إحياء الموتى لا يُرى فهو كان يتطلع إلى أن يرى هذا الشيء . والله تعالى لم يجبه لِماذا تريد أن ترى؟. هؤلاء الأنبياء مقرّبون إلى الله سبحانه وتعالى هو يختارهم فلا يفجأهم بردٍ يضربهم على أفواههم، لا. كما قلنا (أولم تؤمن) إعلام للآخرين حتى يثبت إيمان إبراهيم وأنه كان يريد أن يرى كيف تعمل يد الله تعالى في إحياء الموتى ولذلك قيل له: خذ أربعة من الطير. الأربعة يبدو أن الجبال التي حوله كانت أربعة والجبل هو كل مرتفع صخري عن الأرض وإن كان قليلاً. (فصرهن إليك) أي إحملهن إليك حتى تتعرف إليهن وترى أشكالهن وهي أيضاً تشم رائحتك وتتعرف من أنت. ما قال القرآن قطّعهن لأن هذا معلوم من كلمة (واجعل على كل جبل منهن جزءاً). إذن أربعة طيور قسمهن أربعة أقسام ومن كل طير وضع قسماً على جبل فاجتمعت. جميعاً بمجرد أن ناداها وجاءت إليه مسرعات (يأتينك سعيا). هذا ليس مجرد إخراج ميت إلى الحياة وإنما بهذا التقسيم إبراهيم كان يريد أن يرى هذا الشيء ليس شكّاً فرأى يد الله عز وجل كيف تعمل شيء أحبّ أن يراه ولا علاقة له بقوة الإيمان لأن إيمانه لا شك فيه وأثبته لنا القرآن الكريم بعبارة (أولم تؤمن قال بلى) كان يمكن في غير القرآن أن تحذف هذه العبارة.
في موقف شبيه قصة العزير (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) البقرة) أراه مثالاً في نفسه هو. مسألة إحياء الموتى كانت تداعب أذهان وفكر الكثيرين من باب الإطلاع على الشيء ولمعرفته وليس للشك لأنه كان هناك يقين بأن الله تعالى يحيي الموتى وهذا هو الإيمان.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24)) إن إنجاء الله لإبراهيم عليه السلام هو آية لمن عاين هذه المعجزة وشاهدها لكي يُذعن ويؤوب إلى رشده فيُقِرّ ويؤمن. وإن قوم إبراهيم هم الذين شهدوا هذه المعجزة فلِمَ قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ولم يقل "إن في ذلك لآيات لقوم إبراهيم"؟ إن نسبة الآيات للقوم المؤمنين خاصة فيه تعريض بقوم إبراهيم لأنهم لم يصدقوا بتلك الآيات لشدة مكابرتهم. وفيه تعريض بأن الإيمان لم يخالط عقولهم ولم يمس شغاف قلوبهم.
.
*(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ (260) البقرة) ما دلالة (من) في قوله (من الطير)؟
وهل تفيد معنى زائداً فيما لو قال: فخذ أربعة طيور؟ جيء بـ (من) في الآية لتدل على التبعيض وهذا ما يضيف معنى آخر وهو التعدد والاختلاف خلافاً لقولنا أربعة طيور فهذه العبارة لا تدل على تعدد أنواعها فقد تكون الطيور من صنف واحد وقد دخلت (من) على هذه الآية لتدلنا على التعدد والاختلاف حتى لا يتوهم مشكك بأن بعض الأنواع أهون بالإحياء والبعث من بعض.
*(ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا (260) البقرة) السعي هو نوع من أنواع المشي لا من أنواع الطيران فلِمَ خصّ ربنا تعالى إجابة الطيور بالسعي لا بالطيران مع أن هذا مخالف لطبيعة الطير؟
جعل الله سبحانه وتعالى هذا السعي دليلاً وآية على عودة الحياة بعد موت والحياة التي رُدّت إليهن مخالفة لحياتهن السابقة ولذلك عجزن عن الطيران لأنه غير معهود بهذه الحياة الجديدة.
*ما اللمسة البلاغية فى قوله تعالى (سعياً)؟
قال تعالى (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا (260) البقرة) أبلغ من ساعيات لأن أخبرت عن الذات بالحدث المجرد كأنه ليس شيء يثقله من الذات أصبح حدثاً مجرداً. مثل قوله تعالى (ولا تمش فى الأرض مرحاً) حال جاء بها على وزن المصدر (مرح) هذا يفيد المبالغة إذا أتيت بالحال مصدراً فهو المبالغة قطعاً عندما تقول جاء ركضاً أبلغ من جاءك راكضاً في الأرض مبالغة في المشي، ومرحاً مبالغة.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)) تأمل في هذا الموقف العجيب والمشهد الرهيب. مشهد الإنسان الذي أنهكت كاهله الأثقال والأحمال حتى غدا عاجزاً عن النهوض. ورقم ذلك يطلب أحمالاً وأثقالاً من الناس فوق ما يحمل. هذا المنظر هو صورة أولئك الذي أضلوا الناس ولم يكتفوا بأوزارهم وهم يأتون يوم القيامة وقد حملوا أوزارهم وأوزاراً مثل أوزارهم. مع أن أوزار الواحد منهم تنوء عن حمله الجبال. فكيف به وقد حمل أوزار من أضلَّهم؟! فلتكن خفيف الحمل يوم القيامة حتى تجتاز الصراط وأنت فرِحٌ مسرور.
.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)) إن وعد الله للمؤمنين في هذه الآية وقع عقب آية تحض المؤمنين على الإحسان للوالدين مع عدم طاعتهما فيما يُغضِب الله. ولا شك بأن اختلاف الدين بين الولد وأهله يستدعي المناوأة والمغاضبة. فكان وعد الله للمؤمن الذي عصى والديه إذا أمراه بالشِرك وعداً مناسباً في هذا المقام وكان لطيفة كريمة. لأن الإعراض عن طلب الوالدين بالعصيان بالشرك يثير بين الإين ووالديه جفاء وتفرقة. فجعل الله الجزاء عن وحشة تلك التفرقة أُنساً يُدخله في عِداد الصالحين ليأنس .
* (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ (261) البقرة) ما وجه الخصوصية في الحبّة التي اختارها الله تعالى للدلالة على مضاعفة الأجر والثواب؟
جعل الله سبحانه وتعالى الحبة مثلاً لمضاعفة الأجر والثواب لأن تضعيفها ذاتيّ فهي تزداد وتنمو وتخلف بنفسها لا شيء يزاد عليها وكذلك الحسنة يضاعفها الله تعالى بذاتها لا بعمل آخر يضاف إليها.
*متى يستعمل جمع القلة وجمع الكثرة في القرآن الكريم مثل كلمتي (سنبلات) و(سنابل) ؟
القاعدة النحوية أن يكون جمع القلة للقلة وجمع الكثرة للكثرة. مثل (دراهم معدودة) جمع قلة و(دراهم معدودات) جمع كثرة، و(أربعة أشهر) جمع قلة و(عدة الشهور) جمع كثرة، (سبعة أبحر) جمع قلة و(وإذا البحار سُجّرت) جمع كثرة، (ثلاثة آلآف) جمع قلة و(ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) أكثر من عشرة جمع كثرة.
جمع المذكر السالم والمؤنث السالم من جموع القِلّة خاصة إذا كان معه جمع آخر يدل على الكثرة فإذا لم يكن معه جمع آخر يستخدم للقليل والكثير. مثلاً جمع ساجد ساجدون وسُجّد وسجود . عندنا أكثر من جمع فتكون ساجدون للقلة لأنه يوجد مجموع للكثرة والجموع في العربية 47 منها 4 للقلّة (أفعُل، أفعال، فِعلة، أفعِل) والباقي للكثرة.
ويجوز أن يستعمل القلة للكثرة والكثرة للقلة حسب المقام أما في القرآن قد يُعطى وزن القلة للكثرة والعكس لأمر بليغ.
سنبلات قِلّة وسنابل للكثرة. العدد واحد سبع وسبع في الآيتين فلماذا استعمل القِلة مرة والكثرة مرة؟ وقد جاء في سورة البقرة (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {261}) سبع جمع قلة استعملت مع جمع كثرة لأنها في مقام مضاعفة الأجور والتكثير. وفي سورة يوسف (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ {43}) سبع استعملت مع جمع القلة (سنبلات) لأن الآية تتحدث عن رؤيا ولا مجال للتكثير فيه إنما هو مجرد حلم لذا استعملت بمعنى القلة ونقلها كما هي (سنبلات) فالسياق في مقام ذكر حادثة كما هي.
وتستعمل للمقارنة بين معنيين مثل: قيام جمع كثرة وقائمون جمع قلة وكذلك أعين للبصر وعيون للماء، والأبرار جمع قلة وهي تستعمل للمؤمنين فقط (إن الأبرار لفي عليين) والبررة جمع كثرة وهي تستعمل للملائكة فقط لأنهم أكثر (كرام بررة).
وقوله تعالى (دراهم معدودة) مناسبة مع كلمة (بخس في قوله (وشروه بثمن بخس) في سورة يوسف (أكثر من عشرة فهي كثرة) لكن حتى لو دفعوا أكثر من عشرة دراهم يبقى ثمناً بخساً. وقوله (أياماً معدودات) في آية الصيام في سورة البقرة، قللّها فهي أيام معدودات ليس كثيرة وهنا تنزيل الكثير على القليل، وقد قلل أيام الصيام لكن أجرها كبير.