برنامج لمسات بيانية
(10) :
* (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)) في هذه الآية الكريمة نود أن نقف على معنى النعماء والضراء، ما الفرق؟
النعماء هو إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها.
* ما الفرق بين النعمة والنعماء؟
النعمة عامة قد لا تظهر الإنسان فيه نعم كثيرة البصر نعمة والعافية نعمة والسمع نعمة والكلام نعمة لا تحصوها نعم كثيرة لكن النعماء يظهر أثرها على صاحبها، أثر ما أنعم الله عليه من غنى أو ما إلى ذلك يحب أن يرى أثر نعمته على عبده إذا أعطاه إياها .
* والفرق بين المضرة والضراء؟
المضرة قد تكون عامة لكن الضراء تظهر على الشخص إما في البدن أو شيء يظهر عليه
* إذن هذا محدد دلالي مهم. هنا تخصيص (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ) فيها تخصيص ليس مجرد الإطلاق في النعمة، هنالك حالات محددة؟ نعم حالات محددة.
* (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) ذهب فعل نحسبه للمذكر والسيئات مؤنث فلماذا لم يقل ذهبت السيئات؟
في جميع القرآن الكريم إذا جعل السيئات فاعلاً فالفعل يأتي معها مذكراً (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا (48) الزمر) (سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا (51) الزمر) (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ (34) النحل) هذا عام، لكن لماذا؟ لغة يجوز ، هو مؤنث مجازي.
* يصح فيه التذكير والتأنيث. لكن لمَ الاختيار هنا؟
هذا نسميه مراعاة المعنى القرآن يذكر ويؤنث لمراعاة المعنى، يقصد به معنى مذكر فيذكر ويقصد به معنى مؤنث يؤنث كما ذكرنا مرة في العاقبة (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) الزخرف) إذا ذكّر يقصد به العذاب، (مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ (135) الأنعام) إذا أنّث يقصد به الجنة، إذا قصد به معنى المذكر ذكّر وإذا قصد به معنى المؤنث أنّث
* كيف نفهم هذا؟ هنا قال (ذهب السيئات عني) كيف نفهم أنه يقصد معنى المذكر أو المؤنث؟
ما المقصود؟ سيصيبهم أثر السيئات، جزاء السيئات، ما توجبه السيئات من العذاب (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا (51) الزمر)، أصابهم جزاء السيئات (وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا (51) الزمر) إشارة إلى العذاب. فإذن هنا يراعي المعنى فإذا راعى المعنى ذكّر إذا كان المعنى مذكر وإذا كان المعنى مؤنث أنّث.
* هل هناك إشارة لهذا مثلاً في الآية (ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) ذهب عذاب السيئات؟ ذهب جزاء السيئات؟
نعم، (ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) ماذا سيصيبهم؟ العذاب إذن ذكّر. (ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) يعني ذهب البؤس، ذهب سيئ العيش، ذهب سوء العيش، فذكّر. القدامى ذكروا حتى في غير القرآن
يا أيها الراكب المزجي مطيته *** سائل بني أسد ما هذه الصوت؟
ما هذه الصوت يقصد به الاستغاثة، يسمع صوت استغاثة يقصد ما هذه الاستغاثة؟ ويعبّر عنها بالصوت لأنه أراد معنى الاستغاثة وليست مجرد صوت.
أحياناً يدخل المعلم إلى الصف فيسمع ضجة فيقول أحياناً ما هذا؟ وأحياناً يقول ما هذه؟ ما هذا؟ يعني ما هذا الصوت؟ ما هذا الصخب، وما هذه؟ يعني ما هذه الضجة؟ هذا من غريب ما يذكر في اللغة يقال فلان يعني أحمق، فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها،
* جاءته كتابي وليس جاءه كتابي!
هذا أعرابي، قال يا رجل كيف تقول جاءته كتابي؟! قال أليس في صحيفة؟ هذا يتكلم على سليقته، هو في ذهنه الصحيفة، فنطق بالكتاب لكن في ذهنه المؤنث.
* هنا ختمت الاية (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) ما معنى الفرح الفخور؟
الفرِح هو الأشر البطر وليس مجرد الفرح. البطر يعني يبطر بنعمة الله سبحانه وتعالى (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) القمر). ولذلك ربنا سبحانه وتعالى إذا ذكر الفرح مطلقاً ذمّه إلا عندما يقيّده بما فيه خير. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) القصص) هذا مطلق، لكن (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ (170) آل عمران) هذا تقييّد. الفرح العام لا، لكن يمدحه إذا كان مقيداً بما فيه خير.
الفرح عام في اللغة لكن القرآن يستعملها إستعمالاً خاصاً. والفخور هو الذي يفخر على الناس، فيها معنى الكِبر ولذلك لم تأت في القرآن إلا في مقام الذمّ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) لقمان) يتفاخر بنفسه يفخر بما عنده على الناس كما صنع قارون.
برنامج لمسات بيانية
آية (11) :
* (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)) ما علاقة الاسثناء هذا؟ وما معناه؟
صبروا على ما أصابهم أو يصيبهم من الضراء. وعملوا الصالحات في كل أحوالهم سواء في حال الضراء أو في حال النعمة، في كل حال يعمل الصالحات ومن العمل الصالح الشكر لربهم عندما ياتيهم ما أنعم به عليهم، هذا عمل صالح، هؤلاء لهم مغفرة لأن المؤمن إذا أصابته ضراء صبر والضراء قد تكفر السيئات، المصائب كفارة للذنوب. وذكر المغفرة لأنه ما أصب من ضراء قد يكون مدعاة للمغفرة لأن ربنا قال (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) الزمر) فالصابر يناله التكفير، المغفرة ويناله الأجر.
* مع الرحمة يشكر يُثاب ومع الضر يصبر يُثاب؟
ويعمل الصالحات فلهم أجر كبير في كل الأحوال. الصابر يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب والشاكر أيضاً يوفى أجره فإذن الذين صبروا وعملوا الصالحات في كل أحوالهم في حال الضراء عند نزع الرحمة أو ما أصابهم من السوء، في حال النعماء ما أصابهم من الخير، في كل هذه الأحوال له مغفرة وأجر كبير.
* هنا في هذه الاية وما قبله ذكر ربنا تبارك وتعالى ذكر الرحمة وذكر النزع وذكر النعماء وذكر الضراء، ما علاقة كل هذا بالنسق العام وما قبله؟ (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ (9)) ذكر الرحمة والنزع، (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء (10))
في الآيات التي سبقت قال (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)) هذه إذن من البلاء في السراء والضراء .
* الرحمة والنزع هذا بلاء؟
طبعاً في السراء والضراء.
* هل هناك فرق بين البلاء والابتلاء من حيث اللغة مع أن كلاهما مداره الاختبار؟
مداره الاختبار لكن ابتلى فيه زيادة في الابتلاء قال (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (35) الأنبياء) ، البلاء يكون بالشر والخير، يعني يختبركم.
* أنا أتصور أن البلاء يكون في الشر فقط !
لا، (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً (17) الأنفال) فإذن البلاء بالخير والشر، في إذاقة الرحمة وفي نزعها، في السراء والضراء، في النعماء والضراء. إذن هذا كله في سياقها لأنه قبلها قال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) فإذن هذه الحالات تبين أنها حال الابتلاء. هي في سياق الآيات التي قبلها (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)) فإذن هذه في سياقها، هذه حالات الابتلاء والاختبار في كل الأحوال
* هل هناك لمسات بيانية أخرى؟
من الملاحظ أنه أسند مظاهر الخير والرحمة إلى نفسه (أَذَقْنَا، وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ) رحمة، قال (أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) وليس نأتيهم، (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء) ولكن قال (بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ) لكن قد يقال أنه قال (ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ) هذا ما يقتضيه الابتلاء.
* النزع يُفهم معنى الغضب والعياذ بالله؟
لا، إنما أعاده إلى حالته الأولى، للإختبار كما تعطي الإنسان شيئاً لتختبره ثم تأخذه منه لترى ماذا يصنع، ليرى كيف يعمل قال تعالى (لِيَبْلُوَكُمْ) كيف يختبرهم بالحالتين، يعطيه ثم ينزع، كيف عمل عندما أعطاه وكيف عمل إذا نزعها، هي تدخل في نفس السياق (ليبلوكم). فإذن نزعناه هي مقصودة هكذا لأن هذا ليبلوكم حتى يختبركم (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً).
* ما مرّ من الآيات الكريمات هل لها نسق معين في سياقيات السورة كلها من أول السورة حتى الآن ترتيباً هكذا كما مرّ علينا من الآيات الكريمات؟
نعم فيها نسق. هو بدأ بعموم المكلفين بعد الآية الأولى طلب منهم ألا يعبدوا إلا الله عندما قال (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (2)) هذا الكلام للمكلّفين بداية، ثم خص الكافرين. بدأ بعموم المكلّفين ثم خص الكافرين بعدهم بالذكر فقال (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ (5)) ثم ذكر ما هو أعم (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ ِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا (6)) عموم المكلفين - الكافرين - ما هو أعم. ثم يأتي مرة أخرى إلى عموم المكلفين، هذا في السياق (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)) هذه للمكلفين ثم خصّ الكافرين (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ (7)) ثم ما هو أعمّ (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً (9)) الإنسان كله، عام. فلاحظ النسق عموم المكلفين، الكافرين، ما هو أعمّ، عموم المكلفين- الكافرين - ما هو أعمّ. حتى أنه بدأ بالكتاب (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ (1)) وانتهى بالكتاب (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ (12)) هذا من الكتاب. فهناك نسق فني عجيب وترابط بالفعل قوي جداً ، ليس فقط بين الكلمات والآية وإنما كنسق عام.
برنامج لمسات بيانية
آية (12) :
* (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)) مناسبة هذه الآية الكريمة لما قبلها؟
قبلها قال (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ (11)) لماذا يترك بعض ما يوحى إليه؟ هذا يقتضي الصبر هذا مما يقتضي الصبر(إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) هذا الأمر إذن يحتاج إلى صبر. لأن هنالك أمور تقتضي الصبر (أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) وما يجد في نفسه من ضيق (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) هذا يقتضي الصبر أيضاً. فهي تماماً متصلة بما قبلها (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ) فاصبر على ما تواجهه ولا تترك (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ).
* (لعلّ) في اللغة ماذا تفيد؟
في اللغة (لعل) للترجي لكن أحياناً يقصد بها التحذير، لعلك تقصر فيما أمرتك به ، التحذير وأحياناً الزجر. (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) حذره من هذا الأمر.
* ماذا في هذه الآية؟
هو قال (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) لم يقل كل ما يوحى إليك إذن التحذير من ترك أي شيء من أمور الدين، ينبغي أن يبلّغه كله مهما كان موقف الكافرين واستهزاؤهم وضيق الصدر بهم.
*وإذا قال (تارك ما يوحى إليك) يعني كله ، أما النص على عدم ترك البعض فمن باب أولى أن يترك الكل ؟
طبعاً، هو حذّر من ترك شيء، من ترك القليل بسبب استهزائهم وضحكهم وقولهم، مهما كان الموقف، مهما كان المقابل، مهما تلقى، مهما سبب من ضيق، إياك أن تترك شيئاً مما يوحى إليك وإن كان قليلاً .
* (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) هنا بمعنى تحذير؟
نعم. حتى ولو ضاق صدرك بلِّغ (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) الحجر) بلِّغ مهما كان، لا يمنعك من ذلك موقفهم أنهم يستهزئون ويسخرون ويضحكون ويقولون كذا وكذا.
* هنا قال ربنا (وَضَآئِقٌ) ولم يقل ضيق، لماذا؟
حتى يدل على أنه ضيق عارض وليس ضيق وصف دائم. ضائق إسم فاعل وضيّق صفة مشبهة. هذه ثابتة. لكن ضائق بسبب معين الرسول كان أفسح الناس صدراً، ضيق تعني صفته ضيق الصدر.
سيّد وسائد، سيّد دائماً وسائد في أمر في موقف معين. جواد وجائد، جواد هو جواد دائماً وجائد في حالة معينة، في موقف، هذا في اللغة عموماً مثل حسن وحاسن، هذا قياس، فرح وفارح، كريم وكارم، هذا قياس إذا أردت الأمر العارض جئت به على فاعل وأما الثبوت صفة مشبهة. (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) هذا ضيق مؤقت عارض و ليست سمة أو صفة.
* الملاحظ في هذه الآية (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) تاركٌ بالتنوين لماذا جاءت بالتنوين ولم تأت بالإضافة مثل قوله تعالى (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ (9) آل عمران)؟
عندنا قاعدة في النحو أن إسم الفاعل، إعمال إسم الفاعل شرطه أن يدل على الحال والاستقبال ، إعماله يعني يعمل عمل فعله بشرط الحال والاستقبال (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة) (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) الكهف). أنا ضارب زيداً إما أضربه الآن أو سأضربه، هذا شرط، هذا الإعمال شرط. الإضافة عامة قد تدل على الماضي وقد تدل على الاستقبال (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى (10) إبراهيم) هذا ماضي، خالق السموات والأرض هذا ماضي، لو قال فاطرٌ سيفطرها.
* عجيب! التنوين يتحكم بالدلالة إلى هذه الدرجة؟!
لما تذكر مفعول به لا بد أن يكون دالاً على الحال أو الاستقبال لا بد، هذه قاعدة. الإضافة عامة قد تكون في المضي (ضاربُ زيدٍ) معناه ضربه إحتمال. (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) آل عمران) أو للإستقبال أيضاً.
ولذلك نذكر مسألة يقال كان محمد بن الحسن الفقيه المعروف والكسائي كان ملازماً للرشيد في اللغة العربية (هو إمام القراءات) كان محمد بن الحسن ينال من العربية ومن أهل اللغة فأراد الكسائي أن يعطيه درساً أمام الرشيد فقال له لو جاءك أحد فقال هذا قاتلٌ أخي أو قال هذا قاتلُ أخي أيهما تحكم عليه بالقصاص؟ قال كلاهما، فقال له الرشيد أخطأت. هذا قاتلٌ أخي هذا لم يقتله بعد فكيف تقتص منه؟!، هذا قاتلُ أخي يعني قتله.
إذن في قوله (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) يعني الآن أو في المستقبل ليس في الماضي، فلو قال تاركُ كان احتمال أنه تركه فيحذره مما ترك في الماضي ولكن الرسول لم يترك شيئاً . فحتى لا يحتمل شيئاً.
* وهكذا (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) إذن ما ضاق صدره؟
إعمال للمفعول به هذا بالذات ونحن نتكلم عن إعمال إسم الفاعل. هذه للمفعول به.
* وقوله (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيه) بالإضافة؟
هذه عامة.
* إذن واضع اللغة العربية حكيم لم تكن اللغة عشوائية اعتباطية؟ أكيد كان لها أسس وقواعد ودلالات ومفاهيم!
كيف تكون اعتباطية؟! في غاية الدقة
* والعرب حينما نزل القرآن بقمة البيان والفصاحة فهموه إذن هم كانوا على قدم المساواة في الدرس اللغوي والبلاغي والبياني؟
في الفهم لكن ليس في القول ليس كلهم امرؤ القيس ولا كلهم زهير ولا كلهم النابغة لكن كانوا يفهمون القرآن.
* إذن كانت اللغة مكتملة حينما نزل القرآن الكريم؟ نعم كانت مكتملة. يفهمون كل شيء إلا إذا كانت إشارات إعجازية تتعلق بالعلم تأتي فيما بعد، فيما يتعلق باللغة يفهمون كل شيء. نحن لا نفهم إلا القليل عموماً.
* هل ثبت من خلال قراءاتكم أن أحداً الكفار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم اعترض على آية إعترض على كلمة في القرآن قال أن هذه لا توافق العربية أبداً؟ أبداً، مطلقاً.
* سبحان الله! هذه شهادة منهم بأنه حق!
طبعاً (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ (33) الأنعام) هكذا قال عنهم ربنا.
* قدّم (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) على (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) مع أن القريب إلى العقل والمنطق أن يكون العكس وليس على ما أتت به الآية الكريمة فلماذا؟
يعني ضيق الصدر مقدّم على ترك بعض ما يوحى إليه؟ ضيق الصدر سيؤدي إلى الترك؟ أيُّ الأهم ضيق الصدر أو الترك؟ الترك إذن قدّم الأهم. أهم من ضيق الصدر. أحياناً قد يضيق صدره بأمر لكن لا يترك الأهم. أحياناً الإنسان يضيق صدره لكنه يصنع.
المتدبر يعلم أنها رحمة من الله سبحانه وتعالى وليست مجموعة من التكاليف، هي رحمة.
* (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) قدّم (به) على صدرك فلماذا؟ وفي آية أخرى قال (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) الحجر) قدّم الصدر على الجار والمجرور؟
(وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) (به) قد يعود على بعض ما يوحى إليه هذا أهم من الصدر فقال (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) إقرأ الآية (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) لأنهم يستهزئون ويسخرون فيضيق صدره فلا تتركه. فقدّم (به) هذا الأهم. بينما الآية الأخرى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) أيُّ الأهم صدر الرسول أم ما يقولون؟ صدر الرسول، فقدّم صدر الرسول.
قدّم الأهم أيضاً. عندنا ما يوحى للرسول وصدر الرسول فقدّم ما يوحى على الصدر لأهمية ما يوحى وعندنا صدر الرسول وما يقوله هؤلاء فقدّم صدر الرسول لأنه أهمّ. ماذا يسمى هذا؟ مع أنه حتى في خارج القرآن قد يكون الأمر هكذا كدلالة عامة ضائق به صدرك ضائق صدرك به المهم أن صدره ضاق، لكن المهم مراعاة المقام، مراعاة السياق، مراعاة الأهمية في الكلام أيُّ المهم؟ ينبغي أن يوجّه إليه، ما يوحى إليه هذا هو المهم
* (أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ) لماذا هذه الصيغة (أَن يَقُولُواْ) وليس مثلاً (لقولهم) أو (أن قالوا) مع أنه ماضي كما نفهم؟
(أَن يَقُولُواْ) يفيد الدوام والاستمرار لأنهم لن ينتهوا وإنما يستمرون في الكلام. ليس فقط ماضي، قالوا ويقولون مستمرين في موقفهم ليس فقط قالوا وانتهى. (وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) الآن وفي المستقبل هذا استمرار بينما (أن قالوا) ماضي و(لقولهم) يحتمل أن يكون ماضي. (أَن يَقُولُواْ) استمرار.
* (لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ) هنا قال ربنا تبارك وتعالى أُنزل كنز والكنز موجود في الأرض فلماذا يستخدم أُنزِل مع أن أُنزل تفهم أنه من السماء من فوق؟
هذا من التعجيز. (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ (8) الأنعام) وقسم يقولون أُنزِل هنا بمعنى إعطاء. لكن استعمال الإنزال هنا من باب التعجيز من كلاهم أو مما يضيق به صدرهم.
* (إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ) تعقيب على هذه الجملة؟
ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك ليس عليك ردّوا أو لم يردوا، استجابوا أم لم يستجيبوا، اقترحوا أو تهاونوا، ليس عليك الأمر إنما عليك البلاغ، أنذرهم وكفى ليس عليك بالنتيجة ردوا تهاونوا ضحكوا سخروا هذا الأمر لا يعنيك، مهمتك هي الإنذار.
* إذا كان الأمر هكذا للرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلِّغ فقط فلماذا يضيق صدره؟ ولماذا يحزن؟
هو كان بوده أن قومه يستجيبون له يحب أن يكونوا مستجيبون له وكان يدعو أن يستجيبوا له، يحب هذا الأمر. (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128) التوبة).
برنامج لمسات بيانية
آية (13):
* (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ (13)) ما مناسبة هذه الاية لما قبلها في النسق العام؟
هو عندما قال أنهم يقولون (لوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) لماذا يقولون هذا غير لأنهم يعتقدون أنه ليس من عند الله وأنه مفترى؟ هو دلف إلى القضية مباشرة عندما قالوا (لوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) معناه أن كل هذا كذب يظنون أنه كاذب مفتري فيأتي إلى أصل القضية أنت تقول مفتريات إذن هاته!
* على زعمهم وقولهم وما تضمره صدورهم! وهذا قمة التحدي. ما أتوا؟! حتى بعض ما سطرته كتب التاريخ "عليكم باليمامة ودفوا دفيف الحمامة فإنه حرب صرامة" هذه كلغة باطلة ليس فيها بلاغة!.
و "الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل"، وما أدراك هذا التهويل العظيم يقولون بعده (له خرطوم طويل)! ما أدراك دلالة على أن هناك أمر عظيم (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) الإنفطار)، إذن كان عندهم البلاغة والبيان للتذوق وليس للنسج مثل القرآن الكريم. وقد ورد أن بعض الشعراء أعرضوا عن قول الشعر واكتفوا بقراءة القرآن الكريم إكباراً وإعظاماً له "بعد البقرة لا أقول شيئاً".
* ما الفرق البياني بين قوله تعالى (من مثله)فى سورة البقرة و(مثله)فى سورة هود؟
تحدّى الله تعالى الكفار والمشركين بالقرآن في أكثر من موضع فقال تعالى في سورة البقرة (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)) وقال في سورة هود (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)).
أولاً ينبغي أن نلحظ الفرق في المعنى بين (من مثله) و(مثله) ثم كل آية تنطبع بطابع الفرق هذا. فإذا قلنا مثلاً : إن لهذا الشيء أمثالاً فيقول: ائتني بشيء من مثله فهذا يعني أننا نفترض وجود أمثال لهذا الشيء أما عندما نقول : ائتني بشيء مثله فهذا لا يفترض وجود أمثال لكنه محتمل أن يكون لهذا الشيء مثيل وقد لا يكون فإن كان موجوداً ائتني به وإن لم يكن موجوداً فافعل مثله. هذا هو الفرق الرئيس بينهما.
هذا الأمر طبع الآيات كلها . أولاً قال تعالى في سورة البقرة (وإن كنتم في ريب) وفي آية سورة هود قال تعالى (افتراه) وبلا شك (إن كنتم في ريب) هي أعمّ من (افتراه) أن مظنة الإفتراء أحد أمور الريب (يقولون ساحر) يقولون يعلمه بشر)( يقولون افتراه) أمور الريب أعم وأهم من الإفتراء والإفتراء واحد من أمور الريب.
والأمر الآخر أننا نلاحظ أن الهيكلية قبل الدخول في التفصيل (وإن كنتم في ريب) أعمّ من قوله (افتراه) و(من مثله) أعمّ من (مثله) لماذا؟ لو لاحظنا المفسرين نجد أنهم وضعوا احتمالين لقوله تعالى (من مثله) فمنهم من قال من مثله أي من مثل القرآن وآخرون قالوا أن من مثله أي من مثل هذا الرسول الأمي الذي ينطق بالحكمة أي فاتوا بسورة من القرآن من مثل رجل أمي كالرسول . وعليه فإن (من مثله) أعمّ لأنه تحتمل المعنيين أم (مثله) فهي لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو مثل القرآن ولا تحتمل المعنى الثاني. الإحتمال الأول أظهر في القرآن ولكن اللغة تحتمل المعنيين. وعليه فإن (إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله) أعم من (أم يقولون افتراه فاتوا بعشر سور مثله) لأن إن كنتم في ريب أعمّ من الإفتراء و(من مثله) أعمّ من (مثله).
ثم هناك أمر آخر وهو أنه حذف مفعولين الفعلين المتعديين (تفعلوا) في قوله تعالى (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) والحذف قد يكون للإطلاق في اللغة كأن نقول: "(قد كان منك ما يؤذيني" هذا خاص و" قد كان منك ما يُؤذي" وهذا عام. وإن كان المعنى في الآية هنا محدد واضح لكن الحذف قد يعني الإطلاق عموماً (سياق التحديد ظاهر جداً والحذف قد يأتي في مواطن الإطلاق فحذف هنا).
ونسأل هنا هل يمكن أن نضيف كلمة مفتراة في آية سورة البقرة فيقول مثلاً فاتوا بسورة من مثله مفتراة؟ في آية سورة البقرة (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)) كما قال في (مفتريات)في سورة هود؟
فنقول أن هذا التعبير لا يصح من جهتين: أولاً هم لم يقولوا افتراه كما قالوا في سورة هود. والأمر الآخر وهو المهم أنه لا يُحسن أن يأتي بعد "من مثله" بكلمة مفتراة لأنه عندما قال من مثله افترض وجود مثيل له فإذن هو ليس مفترى ولا يكون مفترى إذا كان له مثيل إذن تنتفي صفة الافتراء مع افتراض وجود مثل له. والأمر الآخر لا يصح كذلك أن يقول في سورة هود مع الآية (أم يقولون افتراه) أن يأتي بـ "فاتوا بسورة من مثله" بإضافة (من) وإنما الأصح كما جاء في الآية أن تأتي كما هي باستخدام "مثله" بدون "من" (فاتوا بسورة مثله) لأن استخدام "من مثله" تفترض أن له مثل إذن هو ليس بمفترى ولا يصح بعد قوله تعالى (أم يقولون افتراه) أن يقول (فاتوا بسورة من مثله) لنفس السبب الذي ذكرناه سابقاً. إذن لا يمكن استبدال أحاهما بالأخرى أي لا يمكن قول (مثله) في البقرة كما لا يمكن قول (من مثله) في سورة هود.
والأمر الآخر أيضاً أنه تعالى قال في آية سورة البقرة (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ولم يقل ادعوا من استطعتم كما قال في هود (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ونسأل لماذا جاءت الآية في سورة هود بـ (وادعوا من استطعتم) ولم تأتي في آية سورة البقرة؟ ونقول أنه في آية سورة البقرة عندما قال (من مثله) افترض أن له مثل إذن هناك من استطاع أن يأتي بهذا المثل وليس المهم أن تأتي بمستطيع لكن المهم أن تأتي بما جاء به فلماذا تدعو المستطيع إلا ليأتي بالنصّ؟ لماذا تدعو المستطيع في سورة البقرة طالما أنه افترض أن له مثل وإنما صحّ أن يأتي بقوله (وادعوا شهداءكم) ليشهدوا إن كان هذا القول مثل هذا القول فالموقف إذن يحتاج إلى شاهد محكّم ليشهد بما جاءوا به وليحكم بين القولين. أما في آية سورة هود فالآية تقتضي أن يقول (وادعوا من استطعتم) ليفتري مثله، هم قالوا افتراه فيقول تعالى ادعوا من يستطيع أن يفتري مثله كما يقولون. إذن فقوله تعالى (وادعوا شهداءكم) أعمّ وأوسع لأنه تعالى طلب أمرين: دعوة الشهداء ودعوة المستطيع ضمناً أما في آية سورة هود فالدعوة للمستطيع فقط.
ومما سبق نلاحظ أن الآية في سورة البقرة بُنيت على العموم أصلاً (لا ريب، من مثله، الحذف قد يكون للعموم، ادعوا شهداءكم). ثم إنه بعد هذه الآية في سورة البقرة هدّد تعالى بقوله (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)) والذي لا يؤمن قامت عليه الحجة ولم يستعمل عقله فيكون بمنزلة الحجارة.
ثم نسأل لماذا حدد في آية سورة هود السور بعشر سور؟ هذا من طبيعة التدرج في التحدي يبدأ بالكل ثم بالأقل فالأقل.
* ما الفرق بين (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة) و (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس) و(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)هود )؟(د.حسام النعيمى)
التحدي كان بأكثر من صورة، كان هناك تحدي في مكة وتحدي في المدينة. السور المكية جميعاً جاءت من غير (من) (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) الطور)، والطور سورة مكية، الحديث يمكن أن يكون آية أو عشر آيات أو سورة كاملة، بحديث مثله: الحديث مطلق. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس) بسورة مثله، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) هود) بعشر سور، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) هذه السور المكية بعضها قال بحديث، آية من مثله لذلك نقول ما ورد في كتاب الله عز وجل هو ليس نقلاً حرفياً للكلام وإنما هم قالوا كلاماً والقرآن الكريم يأتي به مصوغاً بما يناسب أعلى درجات الفصاحة والبلاغة. ليس هو هذا الذي قاله، حتى عندما يقول (وقالوا كذا) فهذا ليس قولهم حرفياً لأن هذا كلام الله تعالى وذلك كلامهم ولما يكون الكلام لغير العرب كلاماً قديماً هو ليس ترجمة حرفية كما قلنا وإنما هو حكاية حالهم بأسلوب القرآن الكريم. فإذن كان أحياناً يطالبهم بحديث، أحياناً يقول لهم: فإتوا بقرآن مثله، أحياناً عشر سور، أحياناً سورة مثل الكوثر أو الإخلاص، هذا كان في مكة. سورة واحدة فكان يقول (مثله), في المدينة (في سورة البقرة) المكان الوحيد الذي قال (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة). هنا القرآن إنتشر وأسلوبه صار معروفاً، الآن يقول لهم (بسورة من مثله) لو قال : بسورة مثله كما قال سابقاً يعني سورة مثل سور القرآن الكريم. (من) هذه للتبعيض، هو هل له مثل حتى يطالَبون ببعض مماثله؟ هو لم يقل : فاتوا بمثله وإنما ببعض ما يماثله ولا يوجد ما يماثله فما معناه؟ هذا معناه زيادة التوكيد. لما تأتي (مثل) ويأتي عليها حرف في شيء ليس له مثل معنى ذلك توكيد كما قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) الشورى) الكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه معناه أنه لو تخيلتم لو أن تصوّركم أنجدكم بأن تتخيلوا مثالاً لهذا القرآن فحاولوا أن تأتوا بمثل ذلك المثال ، بجزء من ذلك المثال الذي تخيلتموه فهذا أبعد في التيئيس من قوله (مثله) مباشرة.
بسورة مثله أي بسورة مماثلة، (من مثله) يعني بسورة من بعض ما تتخيلونه مماثلاً. هذا إمعان في التحدي وأبعد لأنه صار القرآن منتشراً. فلو تخيلت أيها السامع شيئاً يماثل القرآن وهذا غير ممكن لأنه سبق وقال تعالى (لا يأتون بمثله) فإتوا ليس بمثله بمثل هذا الذي تخيلتم وإنما بجزء من مما تتخيلونه مماثلاً له فكان أبعد من التحدي لأن هذه الآية نزلت في المدينة بعد أن كان القرآن قد إنتشر وعمّت الرسالة. كما قال الله عز وجل (ليس كمثله شيء) يعني لو أن عقلك تخيّل مثالاً فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لو تخيّلت مثالاً يعني إبعاد للصورة.
*ما اللمسة البيانية في استعمال صيغة المضارع مرة وصيغة الماضي مرة أخرى في قوله تعالى (من كان يريد الآخرة) و (من أراد الآخرة)؟
استعمال فعل المضارع مع الشرط يكون إذا كان مضمون أن يتكرر. أما استعمال فعل الماضي فالمضمون أن لا يتكرر أو لا ينبغي أن يتكرر. كما نلاحظ أيضاً في قوله تعالى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) ينبغي تكرار الشكر لذا جاء بصيغة الفعل المضارع (يشكر) أما الكفر فيكون مرة واحدة وهو لا ينبغي أن يتكرر فجاء بصيغة الماضي في قوله (كفر). كذلك في قوله تعالى (من قتل مؤمناً خطأ) المفروض أن القتل وقع خطاً وللمفروض أن لا يتكرر أما في قوله تعالى (من يقتل مؤمناً متعمداً) هنا تكرار للفعل لأنه قتل عمد.
برنامج لمسات بيانية
في سورة البروج يقول سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)) ما دلالة إضافة الحريق على العذاب؟(د.فاضل السامرائى)
هو قال (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) لكنه ما اكتفى (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) الحريق يكون بالنار، جهنم ليست ناراً وحدها جهنم عذاب كثير. لكن ذكر عذاب الحريق لأنهم حرقوا المؤمنين.
جهنم هنا عامة، جهنم فيها أنواع كثيرة من العذاب يا ستار يا رب (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) المدثر) لا تعرف ما فيها من أشياء، كل صنف له باب، جهنم إسم للنار عامة ولها أبواب (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ) و(كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (16) المعارج) هي دركات يا ستّار يا رب. لكن ذكر عذاب الحريق لأن هؤلاء أحرقوا المؤمنين بالنار.
* لكنه قال (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) !
لا ليس هذا كافياً جهنم فيها أنواع من العذاب فيها الزمهرير فيها أنواع كثيرة، هذا تخصيص آخر، هنالك عذاب ينالهم في جهنم وإضافة إلى ذلك يحرّقون بالنار كما حرّقوا المؤمنين بالنار، إقرأها (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴿١﴾ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴿٢﴾ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴿٣﴾ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿٥﴾ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿٦﴾ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿٧﴾) هم حرّقوهم ورموهم في النار فربنا أيضاً يحرّقهم بالنار كما حرقوا المؤمنين بالنار، الجزاء من جنس العمل ، لما ذكر التحريق ذكر عذاب الحريق، الحريق مضاف إلى عذاب جهنم. عذاب جهنم دركات كثيرة وأنواع كلٌ بحسب العمل والجزاء من جنس العمل،