عرض وقفة التساؤلات
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٢﴾ ﴾ [الحجرات آية:٢]
س/ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أشكلت علي هذه الاية في أن رفع الصوت على صوت النبي تحبط العمل فكيف وهي معصية؟
ج/ الذنوب التي تحبط العمل تسمى (محبطات) أو (مبطلات) الأعمال. وهي على نوعين: ذنوب كفرية، وذنوب غير كفرية، فأما الذنوب الكفرية فهي محبطة للعمل جميعه، وأمَّا الأعمال غير الكفرية، فهي من كبائر الذنوب، لأنها وعيدٌ شديدٌ يدل أنَّه كبيرةٌ؛ قال ابن تيمية : "حبوط العمل لا يُتَوَعَّدُ به إلا على ما هو من أعظم الكبائر". وقد جعلت بعض الفرق المنحرفة في التكفير الحبوط واحداً في هذه الذنوب المكفرة وغير المكفرة ليستدلوا بها على تكفيرِ مُرْتَكِبِ الكبيرةِ من أهلِ التَّوحيدِ، ولحبوط الأعمال غير الكفري أسباب منصوصة منها:
١- الرياء:
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15- 16].
٢- التألي على الله:
صح عن جُندَب أن رسولَ الله (ﷺ) حدَّث أن رجلًا قال: والله لا يغفِرُ الله لفلانٍ، وإنَّ الله تعالى قال: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفِرَ لفلانٍ، فإني قد غفرْتُ لفلانٍ، وأحبطْتُ عملَك".
٣- رفع الصوت فوق صوت النبي (ﷺ):
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].
٤- ترك صلاة العصر: صح عن بُرَيدة أن النبي (ﷺ) قال: "مَنْ تَركَ صلاةَ العَصْرِ فقد حبِطَ عملُه".
٥- المنُّ: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى .. ﴾ [البقرة: 264].
أما أسباب حبوط الأعمال الكفري فهو الكفر وهو منصوص عليه بألفاظ منها:
١- الشرك:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 65].
وقال سبحانه: ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 88].
٢- التكذيب بآيات الله ولقاء الآخرة:
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 147].
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19].
٣- الموت على الكفر:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217].
٤- كراهة ما أنزل الله: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9].
٥- اتباع ما أسخط الله: قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 28].
٦- النفاق: قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 52 - 53].
٧- الصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول (ﷺ): قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 32].
٨- قتل النبيين والذين يأمرون بالقسط: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 21 - 22].
أما رفع الصوت فوق صوت النبي (ﷺ) فليس ذلك الفعل بمجرده كفرا، بدليل حديث ثابت بن قيس ، ونهوا عن ذلك سدا لذريعة الاستخفاف بالنبي (ﷺ) ، وانتهاك لحرمته، لئلا يفضي بهم التساهل في هذا الباب إلى ما يخشى منه الكفر. قال العلامة الطاهر ابن عاشور -رحمه الله-: وظاهر الآية التحذير من حبط جميع الأعمال؛ لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، ولا يكون حبط جميع الأعمال إلا في حالة الكفر؛ لأن الأعمال الإيمان. فمعنى الآية: أن عدم الاحتراز من سوء الأدب مع النبي (ﷺ) بعد هذا النهي، قد يفضي بفاعله إلى إثم عظيم، يأتي على عظيم من صالحاته، أو يفضي به إلى الكفر، قال ابن عطية: أي: يكون ذلك سببا إلى الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتدرج القهقرى؛ حتى يؤول ذلك إلى الكفر، فحبط الأعمال.
وأقول: لأن عدم الانتهاء عن سوء الأدب مع الرسول (ﷺ)، يعود النفس بالاسترسال فيه، فلا تزال تزداد منه، وينقص توفير الرسول (ﷺ) من النفس، وتتولى من سيئ إلى أشد منه؛ حتى يؤول إلى عدم الاكتراث بالتأدب معه (ﷺ)، وذلك كفر. وهذا معنى: وأنتم لا تشعرون؛ لأن المنتقل من سيئ إلى أسوأ، لا يشعر بأنه آخذ في التملي من السوء؛ بحكم التعود بالشيء قليلا قليلا؛ حتى تغمره المعاصي، وربما كان آخرها الكفر؛ حين تضرى النفس بالإقدام على ذلك.
ويجوز أن يراد حبط بعض الأعمال، على أنه عام مراد به الخصوص؛ فيكون المعنى: حصول حطيطة في أعمالهم بغلبة عظم ذنب جهرهم له بالقول، وهذا مجمل، لا يعلم مقدار الحبط إلا الله تعالى. انتهى.
وفي البحر لأبي حيان: ولم يكن الرفع والجهر إلا ما كان في طباعهم، لا أنه مقصود بذلك الاستخفاف والاستعلاء؛ لأنه كان يكون فعلهم ذلك كفرا، والمخاطبون مؤمنون. والخلاصة أنه ليس بكفر لكن قد يكون كفرا إذا دل على استخفاف بالنبي، واستهزاء به، وانتهاك لحرمته.