عرض وقفة التساؤلات
- ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿٧﴾ ﴾ [الفرقان آية:٧]
- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴿٢٠﴾ ﴾ [الفرقان آية:٢٠]
س/ لفظة (السوق)؛ هل السوق يمدح في القرآن ويذم في السنة؟
ج/ لم يمدح السوق في الكتاب والسنة ولا ذم مطلقا. وكذلك كل شيء في الكتاب والسنة لا يمكن ان يختلف لان مصادرهما واحد وهو الوحي من الله تعالى. ولعلك اردت بالمدح قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) ، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) وهما موضعان فقط وموضوعهما واحد وهو إثبات بشرية الرسل بوصفهم بالمشي في الأسواق.
بل أخذ منها بعضهم إشارة لطيفة (في صحتها نظر) لهوان الأسواق ودونيتها حتى على لسان أبناء السوق.
وأما الأحاديث والآثار في ذم الأسواق فهي ثابتة في كتب السنة الصحيحة، ومن ذلك: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ﷺ) قال: (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا ، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا) رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله: "لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه، والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها".
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: (لَا تَكُونَنَّ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ) رواه مسلم.
وقال ميثمٌ من أصحاب النبي (ﷺ): (بَلَغَنِي أَنَّ المَلَكَ يَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى المَسْجِدِ، فَلاَ يَزَالُ بِهَا مَعَهُ حَتَّى يَرْجِعَ ، فَيَدْخُلَ بِهَا مَنْزِلَهُ ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى السُّوقِ) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني". وقال ابن حجر: "موقوف صحيح السند" انتهى.
قال ابن بطال رحمه الله: "هذا إنما خرج على الأغلب ؛ لأن المساجد يذكر فيه اسم الله تعالى، والأسواق قد غلب عليها اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال، والكَلَب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذُكر الله في السوق فهو من أفضل الأعمال" انتهى. "شرح صحيح البخاري".
وقال القرطبي رحمه الله في "الجامع لأحكام القرآن": "في هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان، وهكذا قال علماؤنا، لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين، تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها، فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته" انتهى.
فتبين بهذا أنه لا اختلاف بين الكتاب والسنة وأن دخول السوق مباح وقد يكون قربة في أحوال وأنه مذموم في غالب الأحوال.