عرض وقفة التساؤلات
- ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴿٣٢﴾ ﴾ [النجم آية:٣٢]
س/ ما معنى (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم)
ما معنى اللمم؟
ج/ قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو.
وقال الراغب: أَلْمَمْتُ بكذا، أي: نزلت به، وقاربته من غير مواقعة، ويقال: زيارته إِلْمَامٌ، أي: قليل.
وقد جاء في حديث الإفك ما يؤيد معنى وقوع الشيء مرة ونحوها، قال ﷺ لعائشة: «إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّه» رواه البخاري ومسلم .
قال النووي: "معناه: إن كنت فعلت ذنبًا وليس ذلك لك بعادة، وهذا أصل اللمم".
اختلف العلماء من المفسرين وغيرهم في معنى اللمم على أقوال، منها :
1- أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيراً، قال البغوي : هذا قول أبي هريرة، ومجاهد، والحسن، ورواية عن ابن عباس.
2- وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم بالقلب . أي ما خطر عليه .
3- وقال الحسين بن الفضل : "اللمم" : النظر من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد: فليس بلمم، وهو ذنب .
4- وقال زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم: ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم، فالله لا يؤاخذهم به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا، فأنزل الله هذه الآية.
5- وذهب جمهور الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، كأبي هريرة و عبد الله بن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم، ومسروق، والشعبي. وجمهور العلماء بعدهم إلى أن "اللمم" هو صغائر الذنوب، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما، ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث طاووس عنه قال : ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ:
"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمَنَّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
وقال ابن جرير :
" وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال "إلا" بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) بما دون كبائر الإثم ، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا ، والعذاب في الآخرة ، فإن ذلك معفو لهم عنه ، وذلك عندي نظير قوله جل ثناؤه : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) فوعد جل ثناؤه باجتناب الكبائر، العفو عما دونها من السيئات، وهو اللمم الذي قال النبي ﷺ: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه". وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج، وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه، والله جل ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه "
ولا ينافى هذا قول أبي هريرة، وابن عباس في الرواية الأخرى : إنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها، ١-فإن اللمم إما أنه يتناول هذا وهذا ويكون على وجهين، قال الكلبي: "اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا، ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس، ما لم يبلغ الكبائر، والفواحش.
والوجه الآخر : هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة، فيتوب منه".
٢-أو أن أبا هريرة، وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة ولم يصر عليها، بل حصلت منه فلتة في عمره باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة. وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم وغور علومهم.
وقد جمع السعدي رحمه الله في تفسيره بين المعنيين ، فقال:
"(إِلا اللَّمَمَ) وهو الذنوب الصغار التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يُلِم العبد بها المرة بعد المرة على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجاً للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شي، ولهذا قال: ( إن ربك واسع المغفرة ) .
وليس معنى الآية الإذن لهم في ارتكاب (اللمم) وهي الصغائر، كما يخادع بذلك بعض الحداثيين بل المعنى: أنهم يجتنبون الكبائر، ثم ما وقع منهم من الصغائر - على سبيل الزلة والخطأ - فإنه يقع مغفوراً لهم باجتنابهم الكبائر.