عرض وقفة التساؤلات

  • ﴿وَالْعَصْرِ ﴿١﴾    [العصر   آية:١]
س/ ورد عن السلف في تفسير قوله جل جلاله: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ﴾ أقوال: منها أنه مطلق الدَّهْر، ومنها أنَّهُ العَشِيّ: ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، ومنها أنه عَصْر النبي ﷺ، ومنها أنه أرادَ صَلاة العَصْرِ، وقد ناقش هذه التفاسير العلامة "الفراهي" في تفسيره (نظام القرآن)؛ وأثبت ان (الدهر) مجموع الزمن، و(العصر) ما مضى منه، حيث قال رحمه الله: (اعلم أن كلمة "العصر" اسم للزمان من جهة ذهابه ومروره، كما أن "الدهر" اسمه من حيث مجموعه، ولذلك يُستعمل العصر كثيرا للأيام الخالية)، وساق شواهد متعددة من شعر العرب على هذا في كلام جميل يعطي دلالة أعظم وتأثير أعمق لموضوع السورة ومعانيها.. ‏والسؤال هل يعد تفسيره مقبولا وينظر إليه وكأنه توجيه لتفسير السلف ومحاولة للجمع بين الأقوال؟، أم يعد قولا جديدا لم يسبق إليه، ومغايرا لتفسير السلف؟ ج/ ردّ ابن فارس في المقاييس ٤: ٣٤٠ مادة (عصر) إلى ثلاثة أصول: ‏دهر وحين، ‏وضغط شيء حتى يتحلّب، ‏وتعلّق شيء وامتساك به. ‏وقد اختلف المفسرون في المراد بالعصر في قوله تعالى (والعصر . إن الإنسان لفي خسر) على عدة أقوال: ‏الأول: ‏أن المراد به الزمن والوقت والدهر ‏وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الدهر. ‏وقال به الفراء وابن قتيبة ومكي بن أبي طالب وأكثر المفسرين . ‏قال ابن كثير: ‏"العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر" ‏وعليه فتعريفه باللام تعريف الجنس. ‏قال الفراء :"ويقال للدهر: العصر. ‏ويقال: أقمت عنده عَصْرًا، وعُصْرًا". ‏وسمي الدهر عصراً من الأصلين الأولين الذين ذكرهما ابن فارس ١-دهر وحين، ٢-وضغط شيء حتى يتحلّب، لما فيه من عبر وتجارب ومعاناة. ‏الثاني: ‏أنه العشي، ‏وقد صح عن قتادة ونسب إلى الحسن؛ ‏وقال به قطرب وغيره. ‏ووجه الإقسام به انه كما أقسم بالضحى لِما فيهما من دلائل القدرة. ‏وقال المارودي : خصه بالقسم لأن فيه خواتيم الأعمال. ‏الثالث: ‏أنه صلاة العصر: ‏نسبه ابن عطية وغيره لمقاتل؛ ‏ورجحه الزمخشري. ‏وتوجيه هذا القول أن لفظة العصر أصبحت علما على صلاة العصر ،وهي صَلاةٌ معظمة، وهي الصلاة الوسطى، وثبت في الحَدِيثِ "مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ" ‏وتعريفه على هذا تعريف العهد . ‏الرابع: ‏أنه عصر النبي ﷺ وأمته، ‏فالتعريف للعهد الحضوري، ‏ كالتعريف في اليوم مِن قَوْلِكَ: فعلت اليوم كذا. ‏والخامس: ‏أن "العصر" اسم للزمان من جهة ذهابه ومروره، كما أن "الدهر" اسمه من حيث مجموعه، ولذلك يُستعمل العصر كثيرا للأيام الخالية، ‏اختاره الفراهي في تفسيره (نظام القرآن)؛ وفي مفردات القرآن الكريم. ‏وأورد شواهد شعرية تدل على أن (الدهر) مجموع الزمن، و(العصر) ما مضى منه، ‏وزاد محقق المفردات الدكتور محمَّد أجمل أيّوب الإصلاحي اكثر من عشرين شاهدا لذلك. ‏وقد يقويه ما في بعض كلام العلماء من الفرق بين العصر والدهر ان العصر بعضه. ‏و الراجح: ‏أن المعنى عام، ‏فكل دخل في هذا الإسم فداخل فيما أقسم به جل جلاله، إذ لا يوجد ما يوجب تخصيص معنى دون آخر. ‏والظاهر أن القول الذي يعمها هو الأول أنه الزمن كله، ‏وذكر ابن القيم أن ذلك هو قول المفسرين. ‏وهذا المعنى هو المعروف المتبادر. ‏وقد ذهب عامة أهل اللغة والتفسير إلى أنّ العصر والدهر سواء في أصل المعنى. ‏وأما ما أورده الفراهي من شواهد فهي فيما اعلم تقتضي وصف ما مضى بالعصر وهذا غالب فيه لاشك في صحته، لكنها لا تقتضي ردا لوصف ما يأتي بالعصر.