عرض وقفة التساؤلات
- ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴿١٣﴾ ﴾ [الإسراء آية:١٣]
س/ في سُورة الإسراء عبر بالطائر.
ما دلالة ذلك؟
ج/ التعبير بالطائر في قوله جل وعلا في سورة الإسراء: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره﴾ [الإسراء: ١٣]، له وجهان معروفان في التفسير:
الأول: أن المراد بالطائر: العمل، من قولهم: طار له سهم إذا خرج له سهمه عند القسمة، فالطائر أُطْلِقَ عَلى السَّهْمِ، أوِ القِرْطاسِ الَّذِي يُعَيَّنُ فِيهِ صاحِبُ الحَظِّ في عَطاءٍ أوْ قُرْعَةٍ لِقِسْمَةٍ أوْ أعْشارِ جَزُورِ المَيْسِرِ، يُقالُ: اقْتَسَمُوا الأرْضَ فَطارَ لِفُلانٍ كَذا، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ: اقْتَسَمَ الأنْصارُ المُهاجِرِينَ فَطارَ لَنا عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ. . . وذَكَرَتْ قِصَّةَ وفاتِهِ.
وأصْلُ إطْلاقِ الطّائِرِ عَلى هَذا: إمّا لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ السِّهامَ المَرْقُومَةَ بِأسْماءِ المُتَقاسِمِينَ عَلى صُبَرِ الشَّيْءِ المَقْسُومِ المُعَدَّةِ لِلتَّوْزِيعِ، فَكُلُّ مَن وقَعَ السَّهْمُ المَرْقُومُ بِاسْمِهِ عَلى شَيْءٍ أخَذَهُ، وكانُوا يُطْلِقُونَ عَلى رَمْيِ السَّهْمِ فِعْلَ الطَّيَرانِ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ لِلسَّهْمِ رِيشًا في قُذَذِهِ؛ لِيَخِفَّ بِهِ اخْتِراقُهُ الهَواءَ عِنْدَ رَمْيِهِ مِنَ القَوْسِ، فالطّائِرُ هُنا أُطْلِقَ عَلى الحَظِّ مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما يُطْلَقُ اسْمُ السَّهْمِ عَلى حَظِّ الإنْسانِ مِن شَيْءٍ ما، أي: ألزمناه ما طار له من عمله.
الثاني: أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة، على عادة العرب في الجاهلية حين كانت تتفاءل أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها مِن زَجْرِ الطَّيْرِ لِمَعْرِفَةِ بَخْتٍ أوْ شُؤْمِ الزّاجِرِ مِن حالَةِ الطَّيْرِ الَّتِي تَعْتَرِضُهُ في طَرِيقِهِ، والأكْثَرُ أنهم يفعلون ذَلِكَ في أسْفارِهِمْ، ثم شاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ فَأُطْلِقَ الطّائِرُ عَلى حَظِّ الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فأعلمهم سبحانه أن كلّ إنسان منهم قد ألزمه ربه طائره في عنقه نحسا كان ذلك الذي ألزمه من الطائر، وشقاءً يورده سعيرا، أو كان سعْدا يورده جنات عدن.
والقولان متلازمان؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يئول إليه من الشقاوة أو السعادة.
وكلاهما حق، ويشهد له قرآن.
والله أعلم.