عرض وقفة التساؤلات
- ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٣٤﴾ ﴾ [البقرة آية:٢٣٤]
- ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٤٠﴾ ﴾ [البقرة آية:٢٤٠]
س/ لماذا آية العدة الناسخة في سورة البقرة سبقت المنسوخة في ترتيب الآيات؟
ج/ ترتيب الآيات في السور: توقيفي بأدلة كثيرة وبالإجماع.
فعن ابن عباس عن عثمان قال:
"كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا فإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا".
وأخرج مسلم في صحيحه عن عمر قال ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء.
وروى مسلم عن أبي الدرداء مرفوعاً: "من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من الدجال".
وفي لفظ عنده: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف".
وقراءته ﷺ للسور المختلفة بمشهد من الصحابة يقطع بأن ترتيب آياتها توقيفي.
وكان أصحاب النبي ﷺ يعلمون الناسخ والمنسوخ، ويعلمون أوقات النزول، وقد بلغوا ذلك كله للتابعين.
قال الإمام يحيى بن سلام البصري، وهو من أتباع التابعين : "وحدثونا أن السور: لم تنزل كل سورة منها جملة، إلا اليسير منها، ولكن النبي عليه السلام قد كان سمى السور؛ فكلما نزل من القرآن شيء، أمر أن يضعوه من السور، في المكان الذي يأمرهم به؛ حتى تمت السور، وكان يأمر أن يجعل في بعض السور المكية من المدني، وأن يجعل في بعض السور المدنية من المكي، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي ﷺ فيقول: إن الله -تبارك وتعالى- يأمرك أن تجعل آية كذا بين ظهراني كذا، وكذا بين كذا وكذا من السورة.
وقد نزل المكي قبل المدني، وأن هذا التأليف الذي بين السور لم ينزل على هذا التأليف، ولكنه وضع هكذا، لم يجعل المكي من السور على حدة ؛ يتبع بعضه بعضًا في تأليف السور، ولم يجعل المدني من السور على حدة؛ يتبع بعضه بعضًا في تأليف السور.
وقد نزل بمكة بعض ما أمر به لما يكون بالمدينة، يعملون به إذا قدموا المدينة.
وأن بعض الآيات نزلت الآية منها قبل الآية، وهي بعدها في التأليف... وأن ما نزل بمكة، وما نزل في طريق المدينة، قبل أن يبلغ النبي عليه السلام المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي عليه السلام في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو من المدني".
"تفسير ابن أبي زمنين" (1/113).
وقد حصل السؤال عما أشكل عليك في زمان أصحاب الرسول ﷺ فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة، قال: ابن الزبير قلت: لعثمان بن عفان (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا…): قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها؟ أَوْ تدعها؟ قال: "يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه".
قال الشيخ الشنقيطي في دفع إيهام الاضطراب:
"هذه الآية يظهر تعارضها مع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ )
والجواب ظاهر وهو أن الأولى ناسخة لهذه، وإن كانت قبلها في المصحف، لأنها متأخرة عنها في النزول.
وليس في القرآن آية، هي الأولى في المصحف، وهي ناسخة لآية بعدها فيه، إلا في موضعين: أحدهما: هذا الموضع…".
وهذا على مذهب أكثر العلماء أنها منسوخة بالآية التي سبقتها وهي قوله (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) البقرة/234.
وروي عدم النسخ عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله لهن، وصية منه: سُكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت.
وذهب إلى إحكام آية الاعتداد حولًا بعض العلماء.
يقول الشيخ السعدي: "الأزواج الذين يموتون ويتركون خلفهم أزواجا:فعليهم أن يوصوا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ أي: يوصون أن يلزمن بيوتهم مدة سنة، لا يخرجن منها، فَإِنْ خَرَجْنَ من أنفسهن فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ أي: من مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك.
وأكثر المفسرين : أن هذه الآية منسوخة بما قبلها وهي قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
وقيل : لم تنسخها ؛ بل الآية الأولى دلت على أن أربعة أشهر وعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة ، ينبغي فعلها تكميلا لحق الزوج، ومراعاة للزوجة.
والدليل على أن ذلك مستحب: أنه هنا نفى الجناح عن الأولياء ، إن خرجن قبل تكميل الحول، فلو كان لزوم المسكن واجبًا ، لم ينف الحرج عنهم".
راجع فضلا "جمال القراء وكمال الإقراء" (2/ 629) عن هذه الآية، وكونها غير منسوخة.