عرض وقفة التساؤلات
- ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٢٩﴾ ﴾ [ص آية:٢٩]
س/ سمعت من يستدل بهذه الآية على أن بركة القرآن ذاتية وبجواز التبرك به ووضعه في السيارة وغيرها من الأماكن، وأيضاً استدل بما ورد عن عكرمة بأنه وضع المصحف على وجهه، فهل تدل الآية على ذلك؟
ج/ بارك الله تعالى بعضَ الأماكن كمكة والمدينة، وبعض الأزمنة كليلة القدر، وبعض الطعام كالسحور، وبارك ماء زمزم، وبعض المخلوقات كالنخل والخيل والمطر، وجعل القرآن كتابًا مباركًا، وغير ذلك مما بين الله تعالى أنه بارك فيه، أو بيَّنه رسوله ﷺ.
وأصل البركة: الزيادة والنماء.
قال الزجاج في "معاني القرآن": "ومعنى البركة: الكثرة في كلِّ ذي خيرٍ".
ولا بد من التفريق بين أمرين:
الأول: وصف الشيء بأنه مبارك، أو فيه بركة.
والثاني: التبرُّك بالشيء، أي: السعي في طلَب خيره وبركته والانتفاع به.
وقد جاء الأمران، جميعًا، في القرآن والسنة؛ فقد وصفَتْ أشياء في القرآن والسنة بأنها مباركة، وجاء في القرآن والسنة بيان طرق الانتفاع بهذه الأشياء وتحصيل بركتها وخيرها، وهذا هو التبرك بها.
ومعنى البركة فيها: أنها أسبابٌ في كثرة الخير والنفع والرزق للخلق.
وقد بيَّنت الشريعة طرق تحصيل هذه البركات ونَيلها.
وصفة التبرك توقيفية.
فالقرآن كتاب مبارك، وتحصيل بركة القرآن إنما تكون بقراءته، وتدبره، والعمل به، وتحكيمه، والاستشفاء والتحصن والرقيا به، وقد بيَّنت الشريعة كل ذلك، وفصلت الواجب منه والمستحب، وهذا هو المشروع من التبرك بالقرآن، أي: تحصيل بركته وطلبها.
وأعظم ما يكون من التبرك به: تدبره، وفهمه، والعمل به، واتباعه في كل شيء.
ولو تأملتم تمام الآية التي ذكرتم: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ص/29
قال ابن عطية: "ووصفه بالبركة لأن أجمعها فيه، لأنه يورث الجنة وينقذ من النار، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة".
وقال الشيخ ابن عثيمين: "فهو مبارك؛ لأنه شفاء لما في الصدور إذا قرأه الإنسان بتدبر وتفكر؛ فإنه يشفي القلب من المرض، وقد قال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
مبارك في اتًباعه؛ إذ به صلاح الأعمال الظاهرة والباطنة.
مبارك في آثاره العظيمة؛ فقد جاهد المسلمون به بلاد الكفر؛ لأن الله يقول: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا، والمسلمون فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بهذا القرآن حتى ملكوها، ولو رجعنا إليه؛ لملكنا مشارق الأرض ومغاربها، كما ملكها أسلافنا، ونسأل الله ذلك.
مبارك في أن من قرأه؛ فله بكل حرف عشر حسنات؛ فكلمة (قال) مثلا فيها ثلاثون حسنة، وهذا من بركة القرآن؛ فنحن نحصل خيرات كثيرة لا تحصى بقراءة آيات وجيزة من كلام الله عز وجل.
والحاصل: أن القرآن كتاب مبارك؛ فكل أنواع البركة حاصلة بهذا القرآن العظيم"، فقد جمعت في القرآن أنواع البركة، ومنها ما يجب تحصيله، ومنها ما يستحب".
فوصف الشيء بأنه مبارك شيء، والتبرك به شيء آخر، وفي القرآن والسنة بيانَ كيفية التبرك، وتحصيل منافع الأشياء التي ثبتت بركتها فيهما،
راجع فضلا:
"التبرك أنواعه وأحكامه" د. ناصر الجديع
أما ما ذكرت من قصة عكرمة فلا تصح من جهة السند ولا الدلالة على التبرك لأنها من باب التعظيم.
روى ابن أبي مليكة قال:
"كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويبكي ويقول كتاب ربي وكلام ربي" وفي لفظ "كلام ربي كلام ربي".
أخرجه عبدالله بن المبارك في كتاب الجهاد، وعبدالله بن الإمام أحمد في السنة، والحاكم في المستدرك، والطبراني في معجمه الكبير، والخطيب البغدادي في تايخ بغداد، كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة به.
وإسناده ضعيف للانقطاع بين ابن مليكة وعكرمة.
والحكم الشرعي لا يبنى على أثر ضعيف.
وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله وقال: "إني أعلم أنك حجر لاتضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك".
والتقبيل لو كان سائغا من باب التعظيم لا التبرك،
ومن المتفق عليه وجوب احترام المصحف وتعظيمه،
ولكن اختلف العلماء في حكم تقبيل المصحف فمنهم من استحبه ومنهم من كرهه.
فعند المالكية: يكره تقبيل المصحف: جاء في منح الجليل شرح مختصر خليل في الفقه المالكي: ويكره تقبيل المصحف والخبز، أهـ..
وفي رد المحتار في الفقه الحنفي: تقبيل المصحف قيل بدعة لكن روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ المصحف كل غداة ويقبله ويقول: عهد ربي ومنشور ربي عز وجل وكان عثمان رضي الله عنه يقبل المصحف ويمسحه على وجهه..
وفي حواشي الشرواني في الفقه الشافعي: قال البيجرمي واستدل السبكي على جواز تقبيل المصحف بالقياس على تقبيل الحجر الأسود ويد العالم والصالح والوالد؛ إذ من المعلوم أنه أفضل منهم، أهـ.
وجاء في مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى في فقه الحنابلة: (وَ) يُبَاحُ (تَقْبِيلُهُ).