عرض وقفة التدبر
قال تعالى
(تبت يدا أبي لهب وتب)
الرد عليه بذات الحروف ونص الكلمات (التباب) وهو الخسران والخيبة والهلاك .
يرد بها الله عن رسوله. ويدفع عنه بقرآن يتلى وكلام تكلم الله به سبحانه. وجمع فيه من صنوف الانتقام في الدنيا والآخرة ما يخلع القلوب.
فأما في الدنيا فقد فضح الله أبا لهب بالتنويه باسمه -نصا- وليس وصفا لتسير السورة بعاره في العرب والعجم في القبائل والأمصار في القرون والزمان . بهذا العنوان الذي افتتحت به السورة ليلتصق اسمه بالتباب والخسران التصاقا
وجاءت خواتم الآيات بحرف متسق بالحرف الذي يختم به اسمه ووصف النار باللهب ليقع هذا الالتحام والتعانق الكلي الذي تذكر به كل كلمة في السوره.
وكان أشق ما يكون على العربي انتشار الذم له. فانتقم الله من أبي لهب بسورة قصيرة في نفسها وقصيرة الآيات وهذا أيسر على الحفظ والشيوع.
واختص الله يديه الخائبتين اللتين نفضهما في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم بالتباب والخسران مع أنهما تعبير عن خسارة الإنسان نفسه ولكن العدول إلى هذا اللفظ هنا له إشارة لا تخفى.
وتكرار الدعاء عليه بالتباب أو بالدعاء أولا ثم الخبر ( (تبت) يدا أبي لهب (وتب)) كل ذلك يدل على شدة غضب الله عليه فليس المراد بيان المعنى بالخسران فحسب بل تأكيد ذلك.
وهذا معلوم في لغة العرب فإن تكرار اللعن أو الدعاء على الغير لا يكون إلا في أعظم مقامات السخط والبغض.
وأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم أبناء أبي لهب وكان المنتظر منه لمكان القرابة أن يصدق النبي صلى الله عليه وسلم وينصره وقد عرف صدقه وأمانته أكثر من غيره أو يدافع عنه كما يدافع العم عن ابن أخيه حمية له كما فعل أبو طالب ولو بقي على دينه أو يصمت ويترك مبادرة التكذيب لغيره
أما أن يتولى دون كل كفار مكة القيام بتكذيب الرسول في أول مقام علني للدعوة دون اعتبار لأي معنى فطري كالقرابة والصهر والرحم أو أخلاقية كالجوار والعهد والعشرة فهذا يدل على خبث نفسه وفساد قلبه