الدعاء عبادة
بل هو حقيقة التوحيد ومعناه والذي لأجله خلق الله الخلق وبعث الرسل وأنزل الكتب.
فإن الله أمر الخلق أن يجتنبوا دعاء الأوثان وما سوى الله والاستغاثة بها والتعلق بها.
وأن يفردوا ربهم بالسؤال والطلب والتذلل والتعظيم مع المحبة وهما ركنا التعبد.
ولذا فينبغي للمؤمن أن يعلم أنه حين يدعو في طاعة وقربة ومحراب كلما قال يارب
وأنه مأمور بدوام دعاء ربه
والتوفيق للدعاء رحمة ونعمة وحسنات وأجور سواء عجلت للعبد أو أجلت أو أجيبت بعينها أو عوضه الله خيرا منها.
فاحمد الله كل مرة يسر الله لك أن تدعوه
فوالله لو تدبر العبد نعمة الإذن من ربه بأن يناديه في أي وقت لاقشعر بدنه بعظم هذا الفضل.
ولو أن عظيما من عظماء الدنيا وسلاطينها قال لك: اتصل بي في أي وقت.
لغمرك هذا بالفرح والمكانة ولظننت أنك أقرب الناس له ولأغنت هذه المكانة عن الطلب
فكيف بمالك الملك يقول ادعني!
في ليلك ونهارك وقيامك وقعودك وعلى جنبك في المسجد في الطريق في فراشك.
ادعني فإني أحب سماع دعائك وأحبك كلما دعوت.
﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾
تأمل الآية كاملة وتدبرها!
فالله أخبر عن نفسه أن كل الخلائق في السموات والأرض يسألونه لحاجاتهم وكروبهم وأحزاتهم
وهو تبارك وتعالى كل يوم هو في شأن
فآخر الآية متعلق بأولها
أي فهو في شأن ما سألوه ولذلك تواترت عبارات السلف في معناها قالوا:
يفرج كربا ويغفر ذنبا ويستر عيبا ويقضي دينا ويرفع ضرا ويشفي مريضا ويذهب حزنا ويلم شعثا ويجمع متفرقا ويعيد غائبا ويهدي ضالا وينصر مظلوما ويفك عانيا ويجبر كسيرا ويغني فقيرا ويعز ذليلا ويؤلف بين القلوب
تأمل أنه في شأن من يسألونه
فلا تتوقف عن الدعاء مع السائلين
ارفع شأنك مع الشؤون وسؤالك مع الحاجات
وكربك مع الكروب
لا تعرض الحاجات وأنت غائب
ولا ينادي المرضى وأنت صامت
ولا يفزع الفقراء والمديونون وأنت غافل
ولا يهتف الضعفاء والمهمومون وأنت ذاهل.
فهو تعالى كل يوم
اجعل شأنك مع الشؤون وفاقتك مع الفاقات
دع صوتك هناك على الدوام
يارب يارب
يارب ....ادع لحاجة نفسك ووالديك وأهلك وذريتك وإخوانك وأحبابك والمسلمين
ادع لفاقة الدنيا والآخرة ادع بالهداية والمغفرة ادع بالجنة والنجاة من النار .
(أَفَمَن زُیِّنَ لَهُۥ سُوۤءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنࣰاۖ )
قال الطبري:
أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسنًا فحسب سيىء ذلك حسنًا،.....انتهى
قلت:
وأعظم أسباب وقوع العبد في تزيين الشيطان هذا،هو ترك محاسبة النفس
وعرض أعمالها على الوحي.
فيسترسل العبد في أعماله محسنا الظن بهواه قد ركن إلى الطمأنينة بنفسه وتجميلها لفعله وكم من إنسان مسيء يظن نفسه في غاية الإحسان في عبادته أو معاملته
أما العاقل فإنه يجدد النظر في عمله ويفحصه ويستقبح ما قبحه الشرع منه ويتهم نفسه على الدوام.
ولا يغره سكوت من حوله عنه
فإن الناس يؤثرون السلامة بالصمت عن الإنكار
فإذا اجتمع على العبد حسن ظنه بنفسه
ورفقة تجبن عن نصحه
فقد استحكمت ظلمته والعياذ بالله.
إذا أردت أن تنشط في الدُّعاء،
فتذكر أَنَّ كُلَّ هذا النور الذي أشرق على العالم والرحمة والخيرات التي عمت ملايين الملايين من البشر منذ أربعَةَ عَشَرَ قَرْناً كان أصلها دعوة:
«رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ»
قال: "أنا دعوة أبي إبراهيم"
صححه الألباني.
• العودة بعد الغياب •
كان والدي رحمه الله يقاوم التنوم في المستشفى مهما كان مرضه والحاجة إلى بقائه فيه، ولما اشتد عليه مرض اضطر للبقاء وكان غيابه عن البيت موحشا وكأنما انطفأت الشمس وغمني غيابه كما لم يحزنني شيء من قبل وتوهمت أنه سيطول تنويمه وبينا أنا كذاك جاءتني البشرى بأنه يمكنه العودة لبيته فبكيت من الفرح وخررت ساجدا
وقد رحل إلى ربه الآن غفر الله ولوالديكم ولا تزال ذكرى تلك الفرحة باقية في معاليق القلب.
تذكرت ذلك حين قرأت رواية لقول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح ابن خزيمة وصححه الألباني:
«ما مِنْ رَجلٍ كان تَوَطّن المساجدَ، فَشَغَلَهُ أمرٌ أو علةٌ ثم عادَ إلى ما كان؛ إلا يَتَبَشْبَشُ الله إليهِ كما يَتَبَشْبَشُ أهل الغائب بغائبهم إذا قدِمَ».
تذكرت لطف الله بعبده خذلته قواه عن القدوم للمسجد فرضا أو فروضا ثم عاد بعدها
كيف يكون؟
حين يتبشبش الله له
من البشاشة والفرح لعودة الغائب الحبيب.
كيف تطيق القلوب الانحباس عن بيوت الله.
• مشروع اللبنة •
يتطلع الكثير من المؤمنين إلى أن يكون له أثر وإرث من الخير يعيشون له ويمتد بعد رحيلهم
ويوفق بعضهم لشيء يتخصص فيه ويصبح مشروعا لعمره وينفع الله به وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
ولكن هذا ليس لازما لكل أحد أن ينحصر في شيء واحد لعوارض كثيرة منها تفاوت الخلق في القدرات والطبائع والظروف.
ولكن المشروع الذي ينبغي ألا يزهد فيه المؤمن هو مشروع اللبنة والشراكة في الخير
وفي الصحيحين
عن أبي هريرة رضي الله عنهأنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ:
«إن مَثَلي ومَثَلَ الأنبياءِ مِن قبلي كَمَثَلِ رَجُل بني بيتاَّ، فأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ؛ إلا موضِعَ لَبِنَةٍ من زاويةٍ، فجَعَلَ الناسُ يَطوفون بهِ، ويَعْجَبونَ لهُ، ويقولونَ: هَلَّا وُضِعتْ هذه اللبِنَةُ، قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النبِيِّينَ»...
اللبنة أن تكون جزءا من مشروع هنا، ومشروع هناك
تضع لبنة في مسجد
ولبنة في جمعية فقراء وأيتام
ولبنة في علاج مرضى
تكون لبنة في العناية بمسجد حيكم
ولبنة في برنامج دعوي.
ولبنة في مشروع خطبة الجمعة..
ولبنة في حلقة تحفيظ
ومشروع تربوي
لا يشترط أن تكون أنت المشروع والبناء كله
يكفي أن تضع طوبة في حيطانه
بكلمة بريال بتغريدة بمشوار بنصيحة بصلح بدعوة...
إذا لم يكن لك مشروع
فاجعل مشروعك اللبنة..
• وراءِ البِحارِ •
في مسجد بعيد
ومع إمام ضعيف الحفظ والتلاوة
وركعات خفيفة
ثم تعود إلى البيت
تأتيك صور الأصحاب من الحرم
من المدينة
من الجوامع الكبار
مع الأئمة المتقنين
تشعر بالغبطة وتأسف لقلة عملك
تفسد عليك هذه المشاعر إقبالك على ربك
وتضعف همتك
وتشغلك الأمنيات
والوساوس
وربما تفضي بك للضجر
لا تفعل
لا ينظر الله إلى قلبك وقد أنعم الله عليه ببلوغ العشر فلم يفرح
العشر رحمة لكل مؤمن في كل مكان
لا يعني هذا أنه ليس هناك أسباب للتفاضل في المكان والحال
لا تلتفت لأحد
كأنما أنت
تعبد الله في هذا العالم وحدك
اقبل نعمة الله عليك
واحتفل بها
واجتهد لتكون أفضل من نفسك
وليس من أي احد
رب سجدات في غرفتك
تصعد بك إلى درجات لا تخطر لك على بال
العبودية علاقة شديدة الخصوصية مع الله
لا شأن لكل الخلائق حولك بها
لبها الحب والإجلال والخشية والخشوع.
كما اختص الله غيرك بمكان
ربما اختصك بانكسار وإخبات وحب
في ليلة مظلمة
لو شعرت
لغبطك عليه الآخرون.
لا تغبط أحدا
فالغبطة ولو أبيحت في مواضع
فتركها أفضل كما قرره ابن تيمية
افرح بأنك في ليال العشر
في أي مكان في أي ظرف
في بيت في جامع في مستشفى
وتقرب إلى ربك
حسب قدرتك
اجعل قلبك يصعد
لا تشغله في مسيره :
آل فلان في الحرم
وآل فلان في المدينة
وفلان يعتكف
أنت في حرم العشر
وفي مدينة الليل الجميل
أغلق عليك الباب
ودع قلبك يسري في معراج إلى ربه
اطرد العالم كل العالم من قلبك.
اطرد المكان والأشياء والخواطر
وتذكر قول سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم في الصحيحين:
«اعْمَلْ مِن وراءِ البِحارِ؛ فإنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شيئًا».
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم﴾
• كافئوهم •
في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي
قال صلى الله عليه وسلم
«ومَنْ صَنَع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادْعُوا له حتى تَرَوْا أنكم قد كافأتموه»
فما أعظم ما حملنا من معروف الصحابة والتابعين وتابعيهم
الذين حملوا لنا العلم وبصرونا به
كيف بالله تكافئ أبا هريرة وابن عباس وابن مسعود، وتلاميذهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير وسالم ونافع
ومن بعدهم من رواه الحديث كابن المبارك والثوري والأعمش
وهل يكفي رمضان لتكافئ الإمام مالك وأحمد والبخاري ومسلم ...
وأئمة الفقه كأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي وابن قدامة والنووي
وكم دعوة تشفيك من معروف الطبري
وماذا عساك تفعل في جميل ابن تيمية الحراني، وتلاميذه ومن بعده
والإمام محمد بن عبدالوهاب
ومن أدركتهم من العلماء كابن باز وابن عثيمين
والدعاة والناصحين والوعاظ والمؤلفين.
اللهم إنا مغمورون فيما أجريته من معروفهم علينا ولا يكافئهم إلا أنت
اللهم اجزهم وجميع أئمة المسلمين ومن نقل كلمة إلينا من الوحي المبين عرفناه أو لم نعرفه
اللهم اجزهم عنا أعظم الثواب وأجزله
وأجر لهم الأجور كما جرت علومهم في العقول والصدور.
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
• وصفة •
إذا سُجِنتَ وتُهْتَ واختنقت في ظلمة وتيه وشقاء تفريطك في جنب الله تعالى..
فاستشعر بقوة وكأنك فعلا مسجون مختنق تائه حائر مغترب مهموم مغموم مكروب في ظلمةِ وضيقِ بطنِ "حوت".. في ظلمة أعماق البحر..
وعندها لازم وأكثر من قول:
"لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين" وبخشوع وخضوع..
• قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}،
فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ".
رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2 / 282).
• قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:
فنادى في تلك الظلمات:
{لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.
قال الله تعالى {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، ولهذا قال هنا:
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ}، أي الشدة التي وقع فيها.
{وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}
وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم؛ أن الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ويخفف لإيمانه، كما فعل بـيونس عليه السلام.
تفسير السعدي ص(529).
لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
• ليلة الجهني •
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾
العلم شرف لأهله
سؤال لطالب علم أصبح شرفا وذكرا له ولقومه، لما سأل عبدالله بن أنيس الجهني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة من العشر ينزل فيها...
صار الملايين في قارات العالم يذكرون ليلة الجهني
في كل عام
وتذكر معه جهينة.
تغنيهم عن مليون قصيدة وشاعر.