قوله {فأحيا به الأرض بعد موتها} وفي العنكبوت {من بعد موتها} وكذلك حذف من قوله {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} وفي الحج {من بعد علم شيئا} لأنه أجمل الكلام في هذه السورة وفصل في الحج فقال {فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة} إلى قوله {ومنكم من يتوفى} فاقتضى الإجمال الحذف والتفصيل الإثبات فجاء في كل سورة بما اقتضاه الحال...
قوله تعالى: (كي لا يعلم بعد علم شيئا) . وقال في الحج: (من بعد علم شيئا) بزيادة (من) ؟ . جوابه: أن (بعد) يستغرق الزمان المتعقب للعلم من غير تعين ابتداء وانتهاء، فلما أتى ما قبل آية النحل مجملا جاء بعده كذلك مجملا، وفى الحج أتى ما قبلها مفصلا من ابتدائه بقوله تعالى: (فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة) إلى آخره بعده كذلك مفصلا من ابتدائه مناسبا لما تقدمه من التفصيل.,
مسألة: قوله تعالى: (إنا خلقناهم من طين لازب) وقال في الحج: (من تراب ثم من نطفة) وقال: (من نطفة) وقال: (من صلصال كالفخار) .
جوابه: أما قوله تعالى: من تراب، ومن صلصال، ومن طين، فالمراد: أصلهم وهو آدم عليه السلام لأن أصله من تراب، ثم جعله طينا، ثم جعله صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه الروح. وقوله تعالى: من نطفة: أي أولاد آدم وذريته كما هو المشاهد
قوله {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} في هذه السورة وفي لقمان {ولا هدى ولا كتاب منير} لأن ما في هذه السورة وافق ما قبلها من الآيات وهي {قدير} {القبور} وكذلك في لقمان وافق ما قبلها وما بعدها وهي {الحمير} {السعير} {الأمور}.
مسألة: قوله تعالى في يوسف عليه السلام: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما) وفي القصص في موسى عليه السلام: (بلغ أشده واستوى)؟ .
جوابه: أن يوسف عليه السلام: نبه على ما يراد منه قبل بلوغ الأربعين برؤياه الكواكب والوحي حين ألقى في الجب، وإلهامه علم التعبير، وغير ذلك مما كان في زمان حداثته، وهو تعريضه بما يراد منه. وموسى عليه السلام: لم يعلم المراد منه ولا نبه عليه قبل بلوغ الأربعين وقبل مفارقة شعيب، فناسب قوله فيه: (واستوى) لاسيما على قول الأكثر أن الاستواء: بلوغ الأربعين، لأنها كمال العقل والنظر. والخلاف في الأشد، والاستواء مشهور ولم يقل أحد أنه دون البلوغ.
قوله {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} مكررة وموجب هذا التكرار قوله {هذان خصمان} لأنه لما ذكر أحد الخصمين وهو {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} لم يكن بد من ذكر الخصم الآخر فقال {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات}
قوله {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} وقال في الحج {والصابئين والنصارى} وقال في المائدة {والصابئون والنصارى} لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج وداعى في المائدة بين المعنين وقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير لأن تقديره والصابئون في كذلك قال الشاعر :
فإن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب أراد إني لغريب وقيار كذلك فتأمل فيها وفي أمثالها يظهر لك إعجاز القرآن