إنما قال: لحياتي، ولم يقل: (لهذه الحياة) على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا الحياة في الدار الآخرة، قال تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) أي: لهي الحياة.
اختيار كلمة (النجدين) في هذه السورة بينما في السور الأخرى جاء التعبير (إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) و (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) وغيرها؛ لمناسبتها جو السورة، فإن سلوك النجد فيه مشقة وصعوبة؛ لما فيه من صعود وارتفاع، فهو مناسب للمكابدة والمشقة التي خلق الإنسان فيها، ومناسب لاقتحام العقبة وما فيه من مشقة وشدة.
(وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) التخلق بالصبر مِلَاك فضائل الأخلاق كلها، فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليها؛ حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن راض نفسه عليها.
قال أبو أمامة: لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة، إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى) الذي كذب بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وتولى عنه.
انقطع الوحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلتين أو ثلاثا فحزن كثيرًا؛ لأن القرآن كان زاده في الطريق الطويل، ونوره في الظلمات، فأنزل الله تسلية له: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى). فعجبًا لمن يودع القران ويهجره أيامًا وأسابيعَ بحجة انشغاله عنه! ما أقلَّ بركةَ عملٍ يشغلك عن كتاب ربك!
المتدبر لمناسبة مجيء سورة الشرح بعد «الضحى» ينكشف له كثير من المعاني المقررة في السورة، ومنها ما في قوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، فمجموع السورتين يعطيان مثالًا حيًا لتقرير هذه السنة، فسورة الضحى تمثل جوانب العسر التي عانها نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ليعقبها جوانب اليسر في (الشرح) حتى إذا انتهى المثل، يأتي التعقيب بأن مجيء اليسر بعد العسر سنة لا تتخلف.