عند التأمل في آيتي: (فمن فرض فيهن الحج)(وأتموا الحج والعمرة لله) مع أن الحج قد يكون تطوعًا، لكنه أوجبه على نفسه بمجرد دخوله فيه؛ ففي هذا درس في تعظيم شأن الالتزام بإتمام أي عمل إيجابي يشرع فيه المسلم، وعدم الخروج منه إلا بمسوغ معتبر عقلًا وشرعًا، وفي الصحيح: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل
(واذكروه كما هداكم )أي: وافعلوا ما أمرناكم به من الذكر؛ كما هداكم الله لدين الإسلام، فكأنه تعالى قال: إنما أمرتكم بهذا الذكر؛ لتكونوا شاكرين لتلك النعمة.
في آيات الحجِّ عالج القرانُ خصائص الجاهلية وكيفية تنقية المجتمع المسلم منها بأسلوب يستثمر المناسبة ويقتنصها، ومن ذلك التكبُّر على الناس والتميُّز عنهم، والفخر بالآباء والتعصب لهم، تدبر: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)، و (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا)، فما أحوج الدعاة والأمة جميعًا لمثل هذا الأسلوب، ولذلك النقاء.
(واذكروا الله في أيام معدودات أيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم: بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم: بالذكر والشكر؛ وبذلك تتم النعم، وكلما أحدثوا شكرًا على النعمة، كان شكرهم نعمة أخرى، تحتاج إلى شكر آخر، ولا ينتهي الشكر أبدًا
لو قال قائل في هذه الآية العظيمة: أنا أرجو رحمة الله وأخاف عذابه. ننظر: هل هو من المتصفين بهذه الصفات؟ فإن كان كذلك فهو صادق، وإلا فهو ممن تمنى على الله الأماني؛ لأن الذي يرجو رحمة الله حقيقة لا بد أن يسعى لها.
(لا تأخذه سنة ولا نوم ) نفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم فإن السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس.
(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء ) يقول أحدهم -وهو من أغنياء الرياض-: لا زلت أذكر ضعفاء الناس منذ أكثر من ثلاثين سنة يقولون: التعليم الديني ليس له مستقبل ولا وظائف، يتألون على الله، وقد تخرَّجت من كلية شرعية، وترقيت بحمد الله، وما زلنا نرى الناس كذلك، ومن لم يجد وظيفة، فكم ممن له تخصص دنيوي لم يجد كذلك، فالرزق بيد الله، وكلٌّ يدخل ما هو أنسب له.
كما أنَّه مستقرٌّ في الأذهان أنَّ الله يمحق الربا (يمحق الله الربا)، فهو كذلك يمحق الكافرين (ويمحق الكافرين)، فكيف إذا اجتمع كفر وتعاملٌ بالرِّبا؟! ومن العجيب أنه لم يرد في القرآن كلِّه لفظة: (ويمحق) إلا في هذين الموضعين.