(ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المقصود من الدعاء: أن يشاهد العبد حاجته، وعجزه، وفقره لربه -ذي القدرة الباهرة، والرحمة الواسعة- وإذا حصل له ذلك، فلا بد من صونه عن الرياء، وذلك بالاختفاء، وتوصلًا للإخلاص، والله أعلم.
(وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) ذكر الله الطمع -الذي هو الرجاء- في آية الدعاء؛ لأن الدعاء مبني عليه، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه؛ إذ طلب ما لا طمع له فيه ممتنع.
"ما أسفه من ركب المفازة!
فإن رأى طريقًا مستقيمًا أعرض عنه وتركه، وإن رأى معتسفًا مرديًا أخذ فيه وسلكه، وفاعل نحو ذلك في دينه أسفه، قال تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ).
"
لما رجع موسى، ووجد قومه قد عبدوا العجل، غضب وأخذ برأس أخيه هارون ولحيته، وعاتبه عتابًا شديدًا، فكان مما قاله هارون لموسى: (فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء)، وهو درس عظيم لأتباع الأنبياء في علاج مشاكلهم مهما كانت كبيرة، بعيدًا عن أي أسلوب يجلب شماتة الأعداء والحاسدين.
تدبر القرآن واتباعه هما فرق ما بين أوَّل الأمة وآخرها وإنه لفرق هائل؛ فعدم التدبر أفقدنا العلم، وعدم الاتباع أفقدنا العمل، وإننا لا ننتعش من هذه الكبوة إلا بالرجوع إلى فهم القرآن واتباعه، ولا نفلح حتى نؤمن ونعمل الصالحات (فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
التمسك بكتاب الله في جد وقوة، مع إقامة شعائر العبادة، هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة، تأمل: (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) وخصت الصلاة بالذكر هنا دون سائر العبادات لفضلها وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من العبادات كما قاله المفسرون.
"تأمل هذه القاعدة جيدًا: كثيرا ما ينفي الله الشيء لانتفاء فائدته وثمرته، وإن كانت صورته موجودة، ومثال ذلك: قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ) فلما لم ينتفعوا بقلوبهم بفقه معاني كلام الله، وأعينهم بتأمل ملكوت الله، لم تتحقق الثمرة منها .
"
الآمر بالمعروف لن يعدم من يكابره على الحقِّ ويجادله، فليعرض عنه، مر سالم بن عبد الله بن عمر -وهو من كبار الفقهاء- على قافلة فيها جرس، فقال: إن هذا يُنهى عنه، فقالوا: نحن أعلم منك إنما يكره الجلجل الكبير، وأما هذا فلا بأس به، فبكى سالم، وقال: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).
(وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف: ٢٠٤) فإن مَن لازَم هذين الأمرين حين يُتلَى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا؛ ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلي عليه الكتاب فلم يستمع له وينصت، أنه قد فاته خير كثير!
إذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته، ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه؛ فاستحلى اللسان ذكر الله و ما والاه، وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله، ويشهد لذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ).